الصفحة 185 من 202

يقول ذلك الناقد عن إحدى قصائد علي العلاّق:"نرى المقطع الأخير منها لا يحفر عميقًا في نهر التجربة المطروحة، لذلك فقد كان من الأفضل لو اختزله الشاعر" (55) ، ولم يخبرنا كيف لا يحفر ذلك المقطع عميقًا في نهر التجربة، وإنما اكتفى بمعيار ذوقي شخصي لتقرير ذلك الحكم، وقال، أيضًا عن قصيدة العلاّق المشار إليها أنها:"تفيض موسيقا داخلية ثرّة تنتظم هذه الصورة وتتولّد عن توالي حرفي العين والصاد في حيّز كلامي ضيّق"، ولم نتوصل إلى معرفة الثراء الموسيقي المتولّد عن توالي ذينك الحرفين، إذ لم يشرح الناقد لنا ذلك الأمر.

ورأينا ذلك الناقد أيضًا يبحث في المضامين الفكرية والفلسفية لدى شاعرٍ ما، ليس اعتمادًا على شعر ذلك الشاعر وإنما انطلاقًا من فكرة فلسفية محددة في ذهن القارئ، إذ قال وهو يتحدث عن شعر سامي مهدي:"سوف نحاول تلمس الصلة بين الحدود الفكرية للتجربة الوجودية كما عبّرت عنها القصائد القصيرة، وكذلك ما انطوت عليه هذه القصيدة من بنى عقلية معبرة عن التجربة نفسها" (56) ، وهذا لا يعني أن ذلك الناقد يهمل النصوص الشعرية، وإنما يهتم في تلك المقالة اهتمامًا خاصًا بأفكارها الفلسفية.

لكن ذلك الناقد، في الوقت نفسه، قدم لنا تحليلًا نقديًا جادًا لعدد من صور علي جعفر العلاق الشعرية، استخدم في ذلك التحليل وصفًا موضوعيًا محايدًا للمكونات اللغوية في شعر ذلك الشاعر، محاولًا إثبات أن صور العلاق الشعرية صور غير منفصلة، أي أن هناك وشائج وروابط بينها خلافًا لآخرين قالوا بانفصال تلك الصور، وقال إن النقد:"بالغ كثيرًا في صفة الانفصال بين الصور الشعرية عند العلاق، وهو انفصال ظاهري، حسب، ذلك أن النقد اكتفى بالنظر في الفواصل والنقاط على أنها حدود فاصلة تجعل من كلِّ صورةٍ عالمًا قائمًا بذاته". (57)

ومن أجل إثبات ارتباط الصور، الواحدة منها بالأخرى لجأ ذلك الناقد إلى الإحصاء المنطلق من وصف الأسلوب وصفًا بنيويًا أو ألسنيًا لا يحتفي كثيرًا بالمحتوى، فوجد أنه بعد تحليل الثلث الأول من مجموعة علي العلاق الشعرية: (لاشيء يحدث لا أحد يجيء) ، لاحظ وجود أربعين جملة اسمية من أصل (134) ، جملة، ودخلت النواسخ على ما مجموعه 25 جملة من تلك الجمل الاسمية، أي ما يؤلف نسبة 62.5% من نسق الجمل الاسمية التي تفيد الإخبار والتعريف، وكانت هناك 82 جملة فعلية، وهي أعلى نسبة، في حين توزعت بقية أنماط البناء وعددها 12 جملة على الاستفهام والشرط والنداء والطلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت