الصفحة 197 من 202

البصري، إلا أن الرؤية العامة المشتركة لدى النقّاد كانت رؤية سياقية، بيد أن تلك الرؤية السياقية كانت، في الأعم الأغلب، رؤية قاصرة، إذ فهم قسم من النقّاد تلك السياقية من وجهة نظر سياسية محددة، فكان الحديث السياسي المرتبط بوقائع تاريخية واجتماعية يطغى أحيانًا، حتى ليحول تلك المقالات من ميدان النقد إلى ميدان آخر: هو السياسة أو التاريخ أو الاجتماع.

وقد اعترف بعض النقاد، كما مرّ بنا، أنه وزملاءه من النقّاد حين كانوا يتحدثون عن المنهج وغيابه أو حضوره، ما كانوا يمتلكون فهمًا محددًا لماهية المناهج، وإنما كانت معرفتهم بها تقتصر على المعرفة العامة الشائعة عند أي مثقف، أي أنها معرفة غير قائمة على التخصص الدقيق.

غير أن خارطة النقد، كما تجلّت لنا في المقالات المنشورة في الصحافة اليومية العراقية، تغيرت في ثمانينات هذا القرن، إذ بدأ النقّاد يخصصون مقالات كثيرة للحديث عن المناهج النقدية، وبدأت تظهر اهتمامات منهجية جديدة قوامها النظر النصي، وبدأ النقّاد بالحديث عن أزمة المنهج وضرورة وجود مناهج نقدية خاصة بهم، كما ظهر لنا نقد تطبيقي يستهدي بالمناهج النقدية النصية الحديثة، واختفت، أو كادت تختفي الأحكام غير المعللة، وظهر التحليل النقدي القائم على وصف العناصر اللغوية في النصوص الشعرية.

إن ذلك كله يدل على أن النقد الأدبي الحديث، بعامة، والنقد الشعري منه بخاصة أخذ يحظى بعناية خاصة من الأدباء وإذا كنا قد شهدنا بُعيد عام 1958 نقادًا يطلقون شتى الصفات النابية على الشعراء، فقد بدأنا نرى نقادًا أكثر جدية في الثمانينات يعنون بتحليل القصائد والوصف الموضوعي لعناصرها اللغوية وصورها وموسيقاها وكيفية تآلف تلك العناصر وتآزرها في تكيون جمالية القصيدة.

ويمكن ملاحظة أمر مهم آخر، هو عناية النقّاد في ثمانينات هذا القرن بالتخصص الدقيق، فإذا كان نقّاد مرحلة ما بعد عام 1958 نقادًا انطباعيين عفويين، على ما عبّر عن ذلك قسم من مقالاتهم التي أشرنا إليها، أصبحنا نرى نقّادًا يميلون إلى إكمال تحصيلهم العلمي العالي، فنال قسم منهم شهادات علمية عالية، ولم يكتفوا بالمعرفة المتيسرة التي كانت لدى زملائهم السابقين، وهذا يتيح، فيما نرى، إضافة علمية يضيفها النقّاد إلى معارفهم المتحصلة بجهودهم الذاتية.

وإذا كان نقد الشعر العربي الحديث المنشور في الصحافة اليومية العراقية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت