الصفحة 25 من 202

ظهور التأثرية بالمدرسة الرومانسية في الأدب الغربي، ارتبط ظهور هذه التأثرية العربية بالرومانسية في الأدب العربي، وفي حين تمردت الانطباعية الغربية على الكلاسيين والعلميين معًا، اكتفت الانطباعية العربية بالتمرد على مفاهيم التقليديين.

لقد كان العقاد وعبد الرحمن شكري وعبد القادر المازني رومانسيين (60) ، وطالبوا بالتحرر:"من القيود الصناعية" (61) وحاولوا أن يبينوا اختلال بنية الشعر التقليدي، ومن يراجع كتاب الديوان في الأدب والنقد الذي ألفه العقاد والمازني يجد أمثلة كثيرة لنقد الشعر التقليدي وبيان اختلالاته البنائية انطلاقًا من فقدان ذلك الشعر للوحدة العضوية إذ أن:"القصيدة ينبغي أن تكون عملًا فنيًا تامًا، يكمل فيه تصوير خاطر أو خواطر متجانسة كما يكمل التمثال بأعضائه والصورة بأجزائها واللحن الموسيقي بأنغامه (63) ."

وباين التأثريون العرب أسلافهم التقليديين، فالتقليديون عامة ينظرون إلى وحدة البيت في حين اهتم التأثريون العرب بوحدة القصيدة، كما اهتموا بالخيال وتحرير لغة الشعر من القوالب الجاهزة واعتمدوا الذوق في تفسير النصوص الشعرية، إذ رأى محمد مندور أن:"ليست هناك معرفة تغني عن الذوق التأثري" (63) .

ولقد كان مندور في نقده التطبيقي من أولئك التأثريين إذ يمثل نقده قطعة أدبية يتمثل فيها النص المنقود أولًا ثم يسجل انطباعاته عنه كما لو أنه يقوم بنثر ذلك النص نثرًا ولعلّ تحليله لقصيدة ميخائيل نعيمة: (أخي) (64) من أوضح ما يمثل تلك التأثرية.

وإذا كان الناقد التأثري في الغرب مفسرًا للنص الأدبي من خلال تسجيل إحساساته الشخصية المنبثقة عن معايشته ذلك النصّ، فإن قسمًا من النقاد التأثريين العرب لم يكونوا كذلك دائمًا، فهم يفسرون النصوص ويحكمون عليها في الوقت نفسه.

ولعل مقولة أحمد الشايب توضح لنا ذلك، يقول الشايب عن أبيات للمتنبي:"فقد تحكم له بوضوح الأسلوب وقوته وجماله أو بطرافة الأفكار وصحتها وبحسن التصوير الخيالي وملاءمته وبصدق العاطفة وقوتها (65) ."

إن الشايب في نصه النقدي السابق لا يبين لنا المعايير التي يعتمدها لقياس قوة الأسلوب وجماله كما لا يوضح مقياس حسن التصوير وصدق العاطفة، بل استحالت تلك العبارات لديه أحكامًا جاهزة تذكرنا بنصوص النقاد التقليديين الذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت