الصفحة 26 من 202

كانوا يحكمون بمقاييس سلاسة اللفظ وأحكام التركيب وغيرها من العبارات الجاهزة المكررة.

إذا كانت:"النشوة الذاتية هي وحدها مقياس الحكم الجمالي الجوهري (66) ، على ما يرى سانتيانا، وهو ما آمن به النقاد التأثريون العرب، فإن هذا المقياس مقياس فردي يختلف من شخص إلى آخر، ولذلك لا يمكن أن يكون مقياسًا مقبولًا من الناحية العلمية، إذ أنه غير خاضع للتحديد، ولذا جاء أغلب الكتابات النقدية العربية المنطلقة من المنهج التأثري كتابات ذاتية تطغى عليها صفة الأنا كقول طه حسين يصف قافية من قوافي إيليا أبي ماضي:"

"هذه الدال المدغمة التي لا تطاق" (67) .

لقد كان النقد الأدبي العربي في بداءات القرن العشرين، إذن، صراعًا بين اتجاهين: الاتجاه التقليدي والاتجاه التأثري، وإذا كان هذان الاتجاهان قد خفّ تأثيرهما في الوقت الحاضر، فإنهما لم يتلاشيا تمامًا، فما نزال نجد أحكامًا تأخذ بالمقياس التقليدي، وإن كان ذلك على نحو نادر، كما أن التأثرية ما تزال تطغى على معظم الكتابات النقدية العربية، وسنجد أمثلة ذلك في النقد المنشور في الصحافة اليومية العراقية.

لم تكن الاندفاعة العظيمة من الكتابة التي أشارت إليها ليليان فرست تقتصر على النقد التأثري وحده، فقد ظهرت في أوربا آنذاك مناهج نقدية أخرى تباين الاتجاه الكلاسي الذي كان سائدًا حينذاك، ومن هذه المناهج: المنهج التاريخي، الذي أصبح النقد الذي يستهدي به يوجّه عنايته إلى السياقات الزمنية للنصوص الأدبية بعيدًا عن الأحكام والمعايير التي ارتضاها النقاد الكلاسيون، وقد أصبح معروفًا أن (تين) الفرنسي هو رائد الدراسات الأدبية التي نحت هذا المنحى التاريخي.

وقد سعى (تين) إلى دراسة المؤثرات الثلاثة التي تتعاون على تكوين الأدب، وهي الجنس والبيئة والعصر، وكان يريد للنقد أن لا تتحكم به الأهواء ولا توجهه النزعات الذاتية المبنية علىلذوق الفردي.

ويعني المنهج التاريخي:"دراسة الأديب بمعرفة العصر الذي عاش فيه والأحداث العامة والخاصة التي مرت به، ودراسة النصّ بادراك حياة ذلك الأديب"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت