الصفحة 27 من 202

وسيرته والظروف التي أثرت فيه (68) "، أي أن الأحداث التاريخية وشخصية الأديب يمكن أن تكون عاملًا مساعدًا لتفسير النصّ الأدبي، والتاريخ بهذا المعنى يكون خادمًا للنصّ الأدبي، ودراسته لاتكون هدفًا قائمًا بذاته وإنما تتعلّق بخدمة النصّ."

بيد أن سوء فهم قد يظهر لدى قسم من الباحثين هنا، إذ يتحول النصّ الأدبي لديهم إلى:"وثيقة تكشف عن أحداث التاريخ ليس إلا" (69) .

وفي هذا القول لا يخفى من قلب للمعادلة إذ يتحول النصّ إلى خادم للتاريخ، في حين أن العكس هو الصحيح، وهذا ما حذّر منه جيروم ستولنيتز عندما أشار إلى أن استخدام العمل الفني وثيقة تاريخية كأنه دستور أو مذكرة سياسية ليس خطأ إذ كان اهتمامنا منصبًا على علم الاجتماع، غير أنه يكون خطأ فادحًا إذا حاولنا أن نفهم العمل جماليًا (70) .

القضية، إذن، تتعلّق بما نكتبه أهو نقد للعمل الأدبي أم أنه بيان تاريخ الموضوعات الأدبية، ومن هنا ينشأ التداخل بين النقد والتاريخ، وقد حذّر علي جواد الطاهر من هذا التداخل عندما قال عن المنهج التاريخي بأنه:"منهج حساس إذا فقد فيه صاحبه توازنه زلّت به قدمه .. وصار مؤرخًا أو جمّاعة (71) ."

إن التفريق بين التاريخ الأدبي والنقد الأدبي تفريق مطلوب، صحيح أن ما يفصل بين هذين الحقلين خيط رفيع، بيد أن القضية تتعلق بإدراك ذلك الخيط، ولذا أصبح من الضروري أن يتنبه مؤرخو الأدب على أنهم ليسوا نقادًا حينما يقومون بدور المؤرخين.

ويتعلّق بالتاريخ أو يقترب منه النقد السيري الذي يدرس شخصية الأديب، وكان سانت بيف معاصرتين وأستاذه هو الذي اهتم بالتاريخ الشخصي للأدباء، إذ انتقد تين لأنه اهتم بالجنس والعصر والبيئة ولم يركز على الفروقات بين الأدباء ولم يهتم بعبقرية الأفراد، فقال عن تين:"ظلت العبقرية بعيدة عن قبضة يده لأن سيرة الفرد هي المؤشر الأول (72) ."

ورأى سانت بيف أن الكتاب تعبير عن مزاج فردي، وحاول إثبات هذه الحقيقة بدراسة معاصريه من الكتّاب فأخذ يستقصي مظاهر حياتهم المادية والعقلية والأخلاقية ويتتبع حياة الكتّاب الشخصية والعائلية وتلاميذهم وأصدقاءهم وأعداءهم محاولًا الكشف عن أذواقهم وعاداتهم وآرائهم الشخصية وهكذا جاء نقده تصويرًا لشخصيات الكتاب (73) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت