الصفحة 32 من 202

وتوصل يونج فيما توصل إليه إلى فكرة النماذج العليا (92) التي تؤلف واحدًا من المصادر التي يمتح منها الفنانون والأدباء، ولقد أدت كشوفات يونج إلى ما يمكن أن يسمى النقد الأنموذجي أو الطوطمي أو الأسطوري أو الشعائري، وهو:"أقرب إلى علم النفس لتحليله استهواء العمل الأدبي للجمهور (93) ."

ما من شك في أن النقد الأدبي قد أفاد من هذه الكشوفات في علم النفس والتحليل النفسي، غير أن ثمة أمرًا مهمًا ينبغي التوقف عنده، وهو: هل يستطيع هذا النقد أن يوصلنا إلى حقيقة الإبداع الفني وإلى جوهره الأصيل؟

إن مشكلة هذا النقد، شأنها في ذلك شأن المناهج التاريخية والاجتماعية إنها لا تهتم بالأدب لذاته وإنما تتخذه وسيلة لهدف آخر هو خدمة ميدانها المعرفي الأساسي، فعلماء النفس والمحللون النفسيون عندما دخلوا ميدان الأدب حاولوا دراسة الأعراض المرضية للأدباء فأصبح أدبهم وثيقة تثبت هذه الحالة المرضية أو تلك.

ولذلك وجهت إليهم اتهامات هي في مجملها تتلخص بأنهم في عملهم هذا ظلوا أطباء وعلماء ولم يكونوا نقادًا، وقد اعترف قسم من علماء النفس بهذه التهمة، إذ أقر فرويد بأن التحليل النفسي:"لا يستطيع أن يدرس الإنسان من حيث هو فنان وليس في قدرته أن يطلعنا على طبيعة الانتاج الفني (94) ، كما اعترف بأن:"التقدير الجمالي للعمل الفني وتفسير الموهبة الفردية ليسا من مهمات التحليل النفسي (95) "، وقدّم يونج اعترافًا مماثلًا إذ رأى أن المنهج الذي:"يمكن الوصول عن طريقه إلى حقيقة الفن لا بد أن يكون منهجًا فنيًا (96) .

لم يكن الأدب العربي بمنأى عن هذا الاتجاه في النقد، فمنذ مطالع هذا القرن ونتيجة لاطلاع أدباء العربية على التطورات الجارية في مناهج النقد الأدبي الغربية، بدأ شعراء وكتاب ونقاد بالتماس توجهات جديدة لدراسة الأدب العربي، فكان علم النفس العام والتحليل النفسي قد أثرا في عدد من أدباء العربية.

وقد رأى أحد الباحثين أن هناك نظرات نفسية سادت في أواخر القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين مثلها قسم من كتابات ابراهيم اليازجي ومصطفى صادق الرافعي والمويلحي وقسطاكي الحمصي، وحاول دراسة خصائصها (97) .

غير أن تلك النظرات فيما نرى لا ترقى إلى الرؤية المنهجية التي تفيد من علم النفس ومن كشوفه التي توصل إليها كما تجلت عند قسم من أعلامه، وهي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت