ونحن، وإن كانت لدينا ملاحظات على نقد الشعر في العراق، لن نستطيع تقبل الأحكام العامة غير المقيدة التي يعرضها هذا الناقد هنا، ولاسيما أنه ناقد نصيّ يفترض به أن يناقش نصوصًا محددة، كما يفترض به أن ينأى عن تقويم دور النقاد بأنه (دور بائس) وينأى عن وصف مواقعهم بالتخلف لأن هذه الأوصاف، فضلًا عن عدم لياقتها، لاتناسب السمة الوصفية التي يرتضيها ناقد وهو يطالب الآخرين بالابتعاد عن المعيارية والأحكام القطعية.
وقدم عبد الله إبراهيم مقالًا آخر يشبه (البيان) استعرض فيه تاريخ الإبداع في العراق وازدهار النثر والشعر فيه قديمًا وحديثًا وبوادر النهضة الأدبية الشاملة التي تمخضت عن ولادة القصيدة العربية الحديثة، ثم توصل إلى جوهر القضية التي يريد عرضها هي أنه:"بدأ منذ بضع سنوات اهتمام يدعي الجدية بالمناهج النقدية الجديدة ... أفلح بعضه ... وظل جزء منه أسير تلخيص المناهج النقدية المعروفة في العالم أو التطبيق الآلي لبعض تلك المناهج (58) ، ثم يقدم عددًا من المقترحات التي من شأنها أن تطور هذا المشروع النقدي الجديد، وهذه المقترحات ليست جوهرية تتعلق بالرؤية المنهجية، وإنما هي مقترحات عامة كالمطالبة بتضافر جهود النقاد الجدد وانضوائهم تحت خيمة المناهج النصية."
مايلاحظ على هذه المقالة التي عُدت (بيانًا) أوشبه بيان، أنها دعوة محلية، لأن الناقد مهد لها بالحديث عن التطورات الثقافية الحاصلة في العراق من بداءات الحضارة الأولى حتى يومنا هذا، وأنه كان يتحدث عن النقد في العراق ولايشير إلى واقع النقد في الوطن العربي، ثم إنها ليست دعوة لاستحداث مشروع نقدي جديد، على مانعرف من مشاريع نقدية، ومنهجيات معروفة في العالم، وإنما هي دعوة لتطبيق المناهج النصية من بنائية وتفكيكية ومنهجيات قرائية، بطريقة ليست آلية، فليس في هذا المشروع النقدي الجديد من الجدة إلاّ الدعوة إلى التباين مع النصوص النقدية المحلية فليس في ذلك المشروع، إذن، دعوة إلى منهجية جديدة بقدر مافيه من تطبيق لمنهجيات معروفة سلفًا.
غير أن مقالة عبد الله إبراهيم هذه تمثل اعتدادًا بتجربة النقاد الشباب ولا تسيء مباشرة إلى النقاد الآخرين، على مافعلت ذلك مقالة محمد صابر عبيد، بيد أن ذلك الناقد في وصفه قسمًا من الكتابات النقدية الجديدة بأنها ظلت أسيرة تلخيص المناهج النقدية المعروفة في العالم، ينسى أن يصف أبرز ماكتبه هو نفسه في التنظير لهذه المناهج بالوصف ذاته، إذ لم تكن هي أيضًا إلاّ تلخيصًا لتلك المناهج، على ماأشرنا إلى ذلك من قبل.