الصفحة 87 من 202

ما هو سائد من مفاهيم تقليدية طبعت الفكر الغربي منذ عصر اليونان حتى العصر الحاضر، وإن هذا المفهوم شهد عصره الذهبي بعد التحولات الكبيرة التي شهدها العالم المعاصر نتيجة للحرب العالمية الأولى، أي بعد انهيار القيم والأفكار التي كانت سائدة آنذاك.

كما نفهم أن الحداثة أخذت تُعنى بالجديد الذي يغاير القديم ولأن الجديد لا يمكن أن يكون ثابتًا إذ سيكف عند ذاك أن يكون جديدًا، فقد اهتمت الحداثة بالتجدد الدائم، أي أنها تبحث عن المغايرة والتباين عما هو سائد.

وقد أثيرت قضية الحداثة، في المقالات والدراسات النقدية المنشورة في الصحافة العراقية على نحو واسع خلال النصف الثاني من الثمانينات (العقد التاسع من هذا القرن) وتضمنت تلك المقالات والدراسات أسئلة تتعلق بهذا المفهوم، كما تضمنت مشاريع إجابات، وصرنا نقرأ ملاحظات عن الحداثة العربية والحداثة الغربية، كما صرنا نستمع إلى وجهات نظر متباينة إزاء هذا المفهوم.

ومن تلك الأسئلة: هل ترتبط الحداثة بزمن معين؟ أي هل تعني المعاصرة أو أنها تعني التقويم النقدي للنصوص الشعرية؟ وهل يستمد هذا المفهوم دلالاته مما طرح في الغرب أم ينبغي أن تكون له دلالاته الخاصة المستمدة من واقعنا العربي؟ وكيف ننظر، على وفق هذا المفهوم، إلى محاولات الزهاوي والرصافي الدخول إلى العالم المعاصر وتقنياته الجديدة شعريًا؟ إلى غير ذلك من أسئلة وجهها الكتاب إلى أنفسهم وحاولوا الإجابة عنها.

وقد عرض النقاد لمفهوم الحداثة من زاويتين، فمنهم من نظر إليها مفهومًا مستقلًا، فهي تتعلق بالتجديد الشعري وحده من غير أن تتعداه إلى مسارات فكرية وحياتية أخرى، ومنهم من نظر إليها على نحو شمولي، وأراد أن يتم تناول هذا المفهوم في إطار شمولي يُعنى بجوانب الحياة المعاصرة كلها: الفكر والاقتصاد والسياسة والفلسفة والعلوم والتقنيات الجديدة وما إلى ذلك من جوانب مختلفة.

فقد ميّز مالك المطلبي بين الحداثة والتحديث، لأن الحداثة فيما يرى ذلك الناقد، ذاتية، وهي قديمة قدم أول نصّ شعري ومستمرة لا تنضب في حين أن التحديث لا يتكون إلاّ بشروط موضوعية، الحداثة شعر والتحديث علم، وعلى هذا يعترض المطلبي على من اشترط على الحداثة الشعرية أن تكون في إطار التحديث الشامل، بأن هذا الشرط غير علمي، ورأى المطلبي أن أهم ما يميّز الشعر أنه لا زمني، إذ إن كثيرًا من نصوص الماضي تتفوق على نصوص المستقبل، وقد يحصل العكس، وهذا كله يؤكد لا زمنية الشعر، وعلى هذا يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت