الصفحة 16 من 47

يكونُ مؤتلفًا من حديدٍ مختلطٍ متشابكٍ، واللّطيفُ في تطوّر هذه الدّلالةِ - فضلًا عمّا تقدّم - أننا في يومِنا هذا نسمي الشبّاكَ شبّاكًا وهو غيرُ مُشبَّكٍ حديدُه ولا مختلطٌ، وعندها يكونُ نافذةً فقط.

· الشّاطر:

و"شاطر"اللاّحقِ ليس كشاطرِ السّابق، بل بينهما افتراقٌ دلاليّ يصل إلى عتبةِ التّضادّ؛ إذ إنّه في كلامِ السّابق ذو إيحاءات سلبيّة، وظلالٍ هامشيّة مقيتة، والأمرُ بخلاف ذلك في كلام اللاحق، فهو يعني قديمًا الذي نزح عن أهلِه وتركهم مراغمًا أو مخالفًا بعد أن أعياهم خُبثًا، وقيل هو الذي أعيا أهلَه ومؤدبه خُبثًا، ومصدره"الشَّطارة"، وفي معنى قريبٍ ممّا تقدم قيل إنّ الشّاطر - وهذا معنى لا يدافِع الأوّل بل يساوقُه - هو الذي أخذ في نحو غير الاستواء، ولذلك قيل له شاطرٌ؛ لأنه تباعد عن الاستواء [1] . أما عن هيئة ذلكم التّطوّرِ الدّلاليِّ المكتنفِ هذه الكلمة فهي الرّقي، فمن ظلال سلبيّة في كلامِ السّابق إلى أخرى إيجابيّة في كلام اللاّحقِ تقال في مقاماتِ المدحِ والثنّاء، ولعلَّ تفسير هذا التِّطوّر يغدو قريبًا باسترفاد أَنظار ابن فارسٍ المُعْجبة في مقاييسِه، فقد جنح إلى أنّ الشّين والطَّاء والرّاء أصلان يدلّ أحدهما على نصفِ الشّيءِ، والآخر على البعدِ والمواجهة [2] وإخالُ أنّها في كلامِ السَّابق مأخوذةٌ من الأصلِ الثّاني الذي عرّج عليه ابنُ فارسٍ، وهو البعد والنّزوحُ عن الأهلِ مراغمةً أو مخالفةً، أما في كلامِ اللاحق فكأنها - وأقول كأنها - مأخوذةٌ من الأصل الأولِ، وهو نصف الشيء؛ إذ إنّها تكاد تكون في العربية المعاصرة مُرادفةً"بماهر"أَو

(1) . انظر: ابن منظور، اللسان، مادة"شطر".

(2) . انظر: ابن فارس، المقاييس، مادة"شطر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت