وليس يذهبُ بالقارئِ الظّنُّ إلى أنّ الباحثَ يصرِّح أو يلمحُ إلى أنّ التّواصلَ بين السّابق واللاّحق مغيَّبٌ أو متعذِّر، أو أنّ للاّحق لغةً ليست كلغةِ السابق البتّةَ، أو أن هذه العربيةَ تعجزُ عن الوفاءِ بالقصدِ الأوّل من اللغةِ، وهو التّواصل، بل الأمرُ بالضّد، فالعظيمُ - تقدّس اسمُه - تعهَّد التّنزيل العزيزَ بالحفظِ، وانبنى على ذلكم العهد - وإنه لعهدٌ لو نعلمُ عظيمٌ - أنْ يحفظَ اللّغة التي نزل بها، والقصدُ مِن هذا المتقدّم بعد هذا العرضِ يسيرُ في ستِّ شعبٍ:
أوَّلها: أن العربيّة ليست بدعًا بين اللّغاتِ في هذه الجهةِ، وقد وردت شكايةٌ من صعيدٍ غربيٍّ جأر بها أولمان، وقد كان مردُّها إلى تحسّسِه هذا التفاصلَ المتخلّقَ من التطّورِ الدلاليِّ، وانزياحِ الألفاظِ المُعمرة عن دلالاتِها المُتقادِمةِ،"ولو قمنا بمقارنةٍ كاملةٍ بين فترتين ِ متباعدتينِ لَتَكَشَّفَ لنا الأمرُ عن اختلافاتٍ عميقةٍ كثيرةٍ من شأنِها أنْ تُعوِّق فهمَ المرحلة السابقة وإدراكها إدراكًا تامًا، فممّا لا شكّ فيه أنّنا في حاجةٍ إلى استعدادٍ لغويٍّ خاصٍّ كي نتمكَّن َ مِن فَهمِ الملحمة الإنجليزيةِ القديمةِ ..."Beowulf"مثلًا، أو أنْ تتذوّق َ أساليبَ النّثرِ في عهدِ الملكِ ألفريد ..."king Alfred" [1] ."
وثانيها: أنّ العربيّة لها فَرادةٌ تقدّم الإلماحُ إليها؛ ذلك أنّها لغةٌ عتيقةٌ معمَّرة ذاتُ ألفاظٍ متقادمةٍ، وقد كان للتنزيل العزيزِ - وما زال - سُهمة كبرى في الحفاظ على صورتها الكلِّيّة، وبنْيتِها المؤلِّفة.
(1) . أُولمان، ستيفن، دور الكلمة، 170.