أما الافتراقُ الواقع في الدّلالة المركزيّة فمردّه إلى أنّ هذه الدلالة قد انزاحت انزياحًا ظاهرًا في كلام اللاّحقِ عن دلالتِها في كلام السَّابق، فعند الأَوّل الحليمُ السّاجي الوقورُ، وفي كلام الّلاحق المتشددُ المغالي الجافي، ولعلّ وجه الالتقاء بين الدّلالتين؛ أعني دلالةَ السّابقِ واللاحق، مأخوذٌ من السكوتِ أو التوقّرِ في المجلس، فكأنّ ذلك المتزمِّت في كلام اللاّحق يبقى على حالٍ واحدةٍ لا يكاد يبَرحُهَا ولا يرتضي لها بدلًا، واللّطيف في هذا المبحثِ أنّ ابنَ فارس لا يعدّ مادّة"زمت"أصلًا قائمًا برأسه؛ ذلك أنه يرى أنّ إِبدالًا وقع فأفضىً بها إلى هذه الصُّورةِ النطقيّةِ، فالزّاي عنده مبدلةٌ من الصّاد، والأصلُ هو الصمت [1] ، ولما أوردت طلاّبي عليها لم يستشرفوا المعنى المتقادم البتّة.
لابن دريدٍ في جمهرته مذهبٌ في أصلِ"السّب"، فقدْ قرَّر أنّه القَطع [2] ، وهو كذلك في اللّسان [3] ، فيقال: سبَّه سبًّا: قطعه، والسَّيف يسمى سبّاب العراقيب لأَنَّه يقطعُها، وقيل السَّبُّ العقرُ، فيقال سبَّ الناقة إذا عقرها. والذي يظهرُ من رحلة هذه الدّلالةِ في سيرورةِ العربيّة في زمانِها المتطاول أنّ السّب انتقلتْ من الدلالةِ على الماديِّ إلى المعنويّ، فقد تفرع عن ذلكم الأصل فروعٌ دلاليّة أخرى ذات نسبٍ حميم به، ومِن ذلك السبّ الذي هو الشَّتمُ، وأصلُه - كما يرى صاحب اللّسان - من ذلك (
(1) . انظر: ابن فارس، المقاييس، مادة"زمت".
(2) . انظر: ابن دريد، الجمهرة، مادة"سبب".
(3) . انظر: ابن منظور، اللسان، مادة"سبب".