الصفحة 20 من 47

وممّا جاء بالمعنى المتقادمِ الحديثُ الشريفُ في رجلٍ أمسك رجلًا، وقتَلَه آخرُ:"اقتلوا القاتل، واصبروا الصَّابر"، والمعنى، احبسوا الذي حبسه للموتِ حتى يموتَ كفعلِه به [1] ، ومن مثل ما تقدّم ما ورد في شعرِ العربِ من قول الحطيئةِ:

قلت لها: أصْبِرُهَا جاهدًا ... ويحكِ، أمثالُ طريفٍ قليل.

وممّا جاء على وجه الحقيقةِ عند الزمخشريّ قولُهم: صَبرت نفسي على كذا: حبستُها، وإنه ليصبِرُني عن حاجتي: يحبسُني [2] .

ولمّا كان لفظُ الصّبر عامّا يقع على أشياءَ كثيرةٍ في العالم الخارجيِّ، خولف بينَ أسمائِه لاختلافِ مواقعهِ، فإذا كان الحبسُ حبسَ النّفسِ لمصيبةٍ سمِّي صبرًا، وضدُّه الجزعُ، وإنْ كان الصّبرُ في محاربةٍ سمِّي شجاعةً، وضدّه الجبنُ، وإذا كان الصّبْر في مَضْجَرة سمِّي رحابةَ صدر، وضدُّه الضّجر، وإنْ كان الصّبر في إمساكِ الكلامِ وسُمِ بالكتمانِ، وضدُّه المَذل، كلّ ذلك يجمعهُ قولُه - تقدّس اسمُه - بلفظِ عمومِ دلالةِ الصّبر وإطلاقِها: والصّابرين في البأساءِ والضرّاءِ [3] .

· الصّافِن:

ولرحلة هذه الكلمة في عصورِ العربيّة سيرةٌ وأطوار، فقد انتقلت دلالتُها من مضمارٍ إلى مضمارٍ، وانبنى على هذا وقوعُ اللاحق في إشكالٍ باعثُه فهمهُ فهمًا لغويًّا معاصرًا يشطّ عن معنى السّابق إلى مكانٍ طَروحٍ، فهي في كلام اللاّحق تدلّ على السّاجي الذي صرف نظرَه تلقاءَ شيءٍ ما فأطال النّظرَ مع كثيرٍ من التحداق وتسريحِ

(1) . انظر: ابن الأثير، النهاية، 3/ 8.

(2) . انظر: الزمخشري، الأساس، مادة"صبر".

(3) . انظر: الراغب، المفردات، 307، والآية (البقرة،177) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت