وثالثها: التَّعريجُ على فجوةٍ كبيرةٍ في بنية الدَّرس المعجميِّ، ومِنها يتخلَّق الإشكالُ الذي يمكنُ أنْ نقفَ عندَه، فالعربيّة ما زالتْ تنتظرُ ثلّةً من أبنائِها صالحةً تنهدُ لصناعة المعجمِ اللُّّغوي التّاريخيّ الذي يسيرُ مع الكلمةِ عصرًا بعد عصر مستشرفًا أطوارَها، مقتنصًا تطوّرها متتبعًَا سيرتَها.
ورابعها: أنني إخالُ أنّ بابَ القولِ على هذا المبحثِ يتصلُ بنسبٍ حميمٍ إلى مطلبٍ بلاغي عنوانُه المجازُ، وليس يذهبُ بالقارئِ الظّنُّ ثانيةً وثالثةً إلى أنّ الباحثَ يومئ إلى درسِ البلاغة؛ ذلك أن تطوُّر الدلالةِ قد كان مجازًا حيًّا لحظةَ وقوعِهِ، ولكنّ سيرورتَه، وتطاوَل العُمرِ به، وغلبته، إنْ على صعيدِ الشّفاه، أو على صعيد الأقلام؛ كلُّ ذلك أفضى به إلى أنْ يلحقَ بركبِ الحقيقةِ، ولنا أنْ نسترفِد في هذا المقامِ قولةٌ تُنسَب إلى ابن جنّي مأثورةٌ، وهي ذاهبةٌ إلى أن المجازَ إذا كثر لحق بالحقيقةِ، فليس يصحّ في الفهمِ ولا يستقيمُ أنْ يقالَ إنّ الرّشوة اليومَ مجازٌ، وإنّ الصفقة والدّماثَة كذلك أمرهُما، بل الأمرُ بالضّد، ولعلّ القولَ الفصل - من وجهة ثانيةٍ- يكونُ في استرفادِ بعض الأنظارِ اللِّسانيّةِ الحديثةِ الذاهبةِ إلى ثلاثة مذاهبَ في تقسيمِ المجازِ، فقد مُيّز بين ثلاثة أنواعٍ أوّلُها المجازُ الحي، وثانيها المجازُ الميّت، وثالثُها النّائم الذي يتردّدُ بين بين (145 [1] ، وكلّ ذلكم المخوضِ فيه في هذه الورقةِ ممّا ينتسبُ إلى المجازِ الميّت.
وخامسها: أنّ عمادَ المباحثات المتقدّمِ بيانُها، الخائضةِ في الوقوفِ عند مُثُلٍ من التطور الدلالي، قائمٌ على ثلاثةِ ملاحظَ، أوَّلها"الأصلُ"، وثانيها"النقلُ"، وثالثُها
(1) 145. انظر، Waldron, R.A,Sense and Sense Development, London,1967, 162 - 179, وانظر: أحمد عمر، علم الدلالة، ط 3، عالم الكتب، القاهرة، 1994 م، 242.