"الوصلُ". أما"الأصلُ"فقد بدا أنّ ثمّ أصلًا في اللّغةِ يتخلّق منه معنى آخرُ حادثٌ، ومن ذلك الوجوب أصلُه السّقوط، والتابوت عند السّابق الصندوق، والأثاثُ المالُ أجمع: الإبلُ، والغنمُ، والمتاعُ، والعبيدُ، أما"النقّل"فعمادُه أنّ دلالة السّابقِ واللاّحقِ تتَّصلان بنسبٍ حميمٍ، وعلاقة جامعةٍ، والذي يحدثُ، أو حدثَ في المُثُلِ المذكورةِ في ثِنْي صفحاتِ البحثِ، هو تطوَّرُ دلالةِ الكلمةِ، وانتقالُها مِن حقلٍ إلى آخرَ للدّلالةِ على معنى جديدٍ ذي نسبٍٍ جليٍّ بالأوّل. أما"الوصلَ"فهو كالخيطِ الجامع الذي ينتظمُ حبّاتِ العِقدِ الواحدِ، فبين الأصلِ والنّقلِ يتعيّنُ وجودُ الوصلِ، وهو المعنى الجامعُ الذي يُؤذِن بتطورِ الدّلالةِ، وانتقالِها من مضمارٍ إلى مضمار، ولعلّ هذا قد وُسِم في البلاغةِ العربيّةِ بالمناسبةِ؛ إذ إنّ المجازَ هو اللفظُ المستعملُ في غيرِ ما وُضِع له أوّلًا لمناسبةٍ بينهما [1] ، وبعبارةِ الكفويِّ الدّالةِ على"الوصل"في تعريفِ المجاز:"هو اسمٌ لِما أريد به غيرُ موضِعه لاتِّصالٍ بينهما" [2] ، والمناسبةُ تلك، أو الاّتصال ذاك، هو حلقة وصلٍ جامعةٍ بين الدّلالةِ المتقادمةِ والدّلالةِ الحادِثةِ؛ بين دلالة السّابق ودلالة اللّاحق، ولعلّ هذا يفضي إلى الإشارةِ إلى أنّ القدماءَ كانوا قد التفتوا إلى ملحظِ التطوّر الدّلاليِّ عامّة، وموضوع هذه الورقةِ خاصّةٍ، إنْ بالمثالِ، وإنْ بالتّنظيرِ، وفي مصنّفاتهم ما يومئ بأنّ لديهم مجموعًا متكاثرًا مِن المُثلِ التي نبّهوا على تطوّر الدّلالةِ، لِنَرْجِع النّظر في قولِ ابن قتيبةَ:"والعرب تسمِّي الشّيء باسم الشّيء إذا كان مجاورًا له، أو"
(1) . انظر: ابن أبي الإصبع، بديع القرآن، 176.
(2) . الكفوي، أبو البقاء أيوب بن موسى (1094 هـ) - الكليات، تحقيق عدنان درويش، ومحمد المصري، ط 2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1993 م، 804.