الصفحة 27 من 47

وفي تطورِ دلالة الكِشْرة إبانةٌ ظاهرٌ أمرُها عن الإشكال الذي يأتي مِن فِهمِ الَّلاحق لدلالاتِ السّابق كما يفهمُها في عصرِه ظانًّا أنّها عنده بالمعنى الحادثِ، وقد تجلَّى هذا - من وجهةٍ محض تطبيقيّة - آنَ عرضي نصين ينتسبانِ إلى كلامِ السّابق، وفيهما تلكم الكلمةُ، على ثلةٍ من أبناءِ العربيّة الشّادين، فجنحوا كلُّهم إلى أنّ المتعيِّن منهما هو ما يشيعُ في الفهم اللّغويّ المعاصرِ المرادفِ للعبوسِ، والنّصَّان أولهما حديثُ أبي الدّرداء:"إنا لنَكْشِر في وجوهِ أقوام، وإنّ قلوبَنا لَتَقْلِيهم"، والمعنى: لنبسُم في وجوههِم، والثاني قول الشّاعر:

إن من الأخوان إخوانَ كِشْرة ... وإخوانَ كيف الحالُ والبالُ كلُّه

والمعنى المتعيّن من الكِشْرة ظهورُ الأسنان للضّحك، فيقال: كاشرَه إذا ضحك في

وجهِه وباسطَه [1] .

وليس يخفى أنّ الكشْرة في كلامِ اللاّحقِ تُضادُّ الكشرةِ في كلامِ السّابق؛ إذ إِنَّها، فيما تقدم، الضّحك وبدوّ الأسنان، ولعلَّ تفسير هذا التَّطور قائمٌ على النظر في مادة"كشر"برويةٍ ولطف نظرٍ كبيرين، فالأصلُ فيها"بدوّ الأسنان عند التبسُّم"، وقد ورد أنه يكون في الضّحِك وغيرِه [2] ، فالمتجهّم العابسُ قد تعتريه كشرةٌ، ولعلّ ممّا يزيدُ في تبصّرنا لاقتناص ذلكم التطوّر أنه يقال: كشَر السَّبع عن نابِه إذا هرّ

(1) . انظر: ابن الأثير، النهاية، 4/ 176، ابن منظور، اللسان، مادة"كشر"، والزمخشري، الأساس، مادة"كشر".

(2) . انظر: الزمخشري، الأساس، مادة"كشر"، وابن منظور، اللسان، مادة"كشر"، والفيروز أبادي، القاموس مادة"كشر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت