دلالة المتكئ يعتريها تطور دلاليٌّ متقادم شكا منه ابنُ الأثير، وتابعه عليه ابن منظور، فقد ورد عن العرب أنه يقال: توكأ على الشيء ِ واتكأ إذا تحمَّل واعتمد، والتُّكأة: كثيرُ الاتكاء، والمفارقةُ اللطيفةُ تتجلى في تعيين هيئة"المتكئ"؛ إذ إِنَّها مفارقةٌ لما نعهدهُ من هيئةٍ يميلُ فيها القاعد معتمدًا على أحد شقَّيه، وهذا مذهبُ العامّة الذي أشار إليه ابنُ الأثير [1] ، ولكنّ المتّكئ في كلامِ العرب الخُلَّص:"كلّ مَن استوى قاعدًا على وطاءٍ متمكنًا، والعامّة لا تعرفُ المتكئ إلاّ من مالَ في قعودِه معتمدًا على أحد شقَّيه [2] ، والحقّ أنّ هذا الذي تقدّم يثيرُ في النّفس ثلاثةَ ملاحظَ أولّها استدراكٌ، وثانيها تبيانٌ، وثالثها إشكالٌ:"
-أمّا الاستدراك فمضمارُه الإلماحةُ إلى أَنَّنا اليومَ لا نعرف المتكئ إلا كما عرفه العامَّة قبلًا، وهم الذين أشار إليهم ابنُ الأثير، فهذا إِذًا تطوّر دلاليٌّ عتيقٌ ليس بحادثٍ في عربيّتنا المعاصرةِ.
-أمّا التِّبيان فمضمارُه بيانُ دلالة الجذر ِ المكتنِف كلمةَ"المتكئ"، فقد قيل إِنَّ التّاء فيه بدلٌ من الواو، وأصلُه مِنَ"الوكاء"، وهو ما يُشدُّ به الكيس ونحوه، فكأَنَّ المتّكئ في كلامِ السّابقِ أوكأَ مَقعدتَه فشدّها بالقعودِ على الوطاء الذي هو تحته [3] ، ويسند هذا إلماحةُ ابن فارسٍ إلى أنّ مادّة"وكا"تدلّ على
(1) . انظر: ابن الأثير، النهاية، 1/ 193.
(2) . ابن الاثير، النهاية، 1/ 193، وابن منظور، اللسان، مادة"وكأ".
(3) . انظر: ابن الأثير، النهاية، 1/ 193، وابن منظور، اللسان، مادة"وكا".