وعقد ابن جني للتجريد بابًا نص في أوله أنه يقتدي به أثر شيخه أبي علي الفارسي الذي كان"به غريًا معنيًا"، غير أنه لم يفرد له بابًا في كتبه"ولكنه وسمه في بعض ألفاظه بهذه السمة، فاستقريتها منه، وأنقت لها".
وعرَّف ابن جني (التجريد) بأن"معناه أن العرب قد تعتقد أن في الشيء من نفسه معنى آخر، كأنه حقيقته ومحصوله، وقد يجري ذلك إلى ألفاظها لما عقدت عليه معانيها" (41) .
ونقل ابن جني للتجريد مثالًا نسبه إلى سيبويه وهو:"أما أبوك فلك أب، أي لك منه أو به أو بمكانه أب". وذكر سيبويه هذا المثال في باب سماه (باب ما يختار فيه الرفع ويكون فيه الوجه في جميع اللغات) ، وأشار محقق الكتاب إلى أن الرماني ترجم عنوان الباب بـ"باب اسم الجنس الجاري على طريقة أما كذا فكذا" (42) .
ويدرك ابن جني أن ما ذكره سيبويه وشيوخه قد يشوبه شيء من عدم الوضوح فذكر أمثلة أخرى وفسرها ووضحها - على سمته وطريقته -، ومن ذلك قوله: لئن لقيت زيدًا لتلقينّ منه الأسد، ولئن سألته لتسألنَّ منه البحر."فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسدًا وبحرًا، وهو عينه هو الأسد والبحر، لا أن هناك شيئًا منفصلًا عنه وممتازًا منه".
وزاد ابن جني (التجريد) توضيحًا فبين أن معناه كأن يجرد الإنسان من نفسه شخصًا آخر فيخاطبه، وأكثر ما يجيء هذا في الشعر، فقال:"وعلى هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه، حتى كأنها تقابله أو تخاطبه، ومنه قول الأعشى:"
وهل تطيق وداعًا أيها الرجل