الفصل الأول
مفهوم وماهية القصة
تعتبر القصة من أروع الفنون الأدبية، حيث يقصد بها ترويح النفس باللهو المباح، وتثقيف العقل بالحكمة [1] ، وهذا الفن من الفنون التي احتلت مكانًا، مرموقًا في النفوس، للمتعة التي يحس بها القارئ، ويتذوقها السامع، باختلاف العصور، وتنوع الأعمال، وتباين البيئات [2] ، كما أنه يعد شكلًا من أشكال التعبير، وسيلته النثر، ويعتبر من أعرق ألوان الأدب تاريخًا ووجودًا، لأن دافع السرد القصصي خاصية إنسانية يشترك فيها جميع الناس، إذ يستطيع كل إنسان أن يحكي لك حادثة مرت له، أو موقفًا تعرض له، ومعنى هذا أن القصة ولدت مع الإنسان، طالما أن الحكاية - وهي العنصر الأساسي في القصة- قاسم مشترك بين الناس، فلا زال الطفل يميل لسماع حكايات جدته، ولا زال الناس يتبادلون الحكايات في مجالسهم للسمر [3] والسهر والترويح عن النفس.
وعلى هذا نرى أن فن القصة من أقرب الفنون الأدبية إلى النفس البشرية، لأنه فن يستقي مادته من الحياة اليومية الجارية بحلوها ومرها، وينقل التجارب والخبرات من واقع تلك الحياة، ويحيل ما يستقيه وما ينقله إلى أشياء ثابتة نسبيًا، في صورة تتميز بروح الشمول أو التأثير القوي، وذلك عن طريق العرض الجيد، من خلال الأسلوب المحكم النسج الذي تترابط لحمه بسداه، وتتماسك العلاقات بين كلماته وجمله وتعبيراته، والذي يعطي دلالات جيدة مؤثرة.
إن التاريخ قد حفظ لنا الكثير من القصص في كليلة ودمنة للفيلسوف بيدبا, وفي أيام العرب, وفي رواية التوابع والزوابع لابن شهيد, ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري, ورواية"حي بن يقظان"لابن طفيل، ولا شك أن جل العناصر المهمة للقصة كانت متوفرة لهذه القصص القديمة، وأنها كانت قصصًا قصيرة وطويلة رائعة أبدعها الخيال القديم.
(1) أدباء العرب في الأندلس وعصر الانبعاث ج 3"بطرس البستاني"دار نظير عبود -بيروت, ص 65.
(2) الأدب العربي الحديث"د. محمد صالح الشنطي"دار الأندلس -بحائل ص 23.
(3) تاريخ آداب العرب ج 1"مصطفى صادق الرافعي"دار الثقافة -بيروت ص 28.