لو وقفنا عند السنة التي توفي فيها مؤلف"روبنسون كروزو"دانييل ديفو"1731 م"وسنة وفاة ابن طفيل"1185 م"للاحظنا أن مؤلف ""حي بن يقظان"" قد عاش قبل ديفو بحوالي خمس مئة سنة، وأن كلا الكاتبين قد عاش في إسبانيا فترة من حياته، لذلك كان تأثر ديفو بابن طفيل أمرًا طبيعيًّا.
لو تأملنا الفضاء المكاني لكِلَا الروايتين للاحظنا تشابهًا كبيرًا، فنحن أمام فضاء واحد تقريبًا"جزيرة نائية"كذلك نجد فيها إنسانًا وحيدًا، يحاول أن يفهم ويستكشف كل ما يحيط به، وبذلك نجد لقاء في تركيز القصتين على شخصية رئيسة واحدة، تعيش ظروفا متشابهة"العزلة، البدائية ...".
كذلك تبدو الشخصية الثانوية في كلا القصتين، شخصية طارئة"أبسال، جمعة"تأتي إلى الجزيرة بعد استقرار الشخصية الرئيسة، إذ تم اللقاء بها بعد مرور فترة طويلة من العزلة في الجزيرة، وقد لاحظنا أنها أضفت الحيوية على فضاء القصتين، وأسهمت في تجديد إيقاعهما.
نلمح في كلا القصتين الغاية التعليمية، فابن طفيل، كما لحظناه منذ المقدمة، يريد أن يدلل على وجود الله باستخدام العقل والحدس، دون استخدام الشريعة، لذلك جعل من"حي"إنسانًا بدائيًّا يصل إلى الإيمان عن طريق استخدام العقل أولًا ثم الحدس، كأنه يطلب من الناس أن يمعنوا النظر في هذا الكون ليتوصلوا إلى الإيمان بعقولهم وقلوبهم، لا أن يكون إيمانهم إيمانًا تقليديًّا، يحول التواصل مع الله تعالى إلى مجموعة من الطقوس لا علاقة لها بالقلب أو العقل.
أما دانييل ديفو فقد كانت غايته تربوية، إنه يتوجه إلى الشباب، الذي يعشق المغامرة والسفر، بالنصيحة، طالبًا إليهم النظر إلى ما آل إليه حال روبنسون حين لم يستمع إلى رغبة والديه في عدم السفر، ونفّذ ما يدور في رأسه من أفكار، فعانى متاعب جمة استمرت حتى لحظات سفره الأخيرة [1] .
انعكست في كلا القصتين ملامح من السيرة الذاتية للمؤلف، ففي قصة ""حي بن يقظان"" نجد أهم القضايا التي أرّقت ابن طفيل"هل تستطيع الفلسفة أن تؤدي إلى الإيمان بالله تعالى، على نقيض القول الشائع"مَن تمنطق فقد تزندق"؟ ثم هل يكفي استخدام العقل ليصل بنا إلى الإيمان العميق أم نحن بحاجة إلى القلب والقوى الداخلية الحدسية إلى جانبه؟ هل تستطيع العامة الإيمان بهذه الطريقة؟ أم لا بد لها من الطريقة النقلية في الإيمان؟ هل الطريقة العقلية الحدسية وقف على الخاصة دون العامة؟".
(1) د. لوثي لوبيث بارالت"أثر الثقافة العربية في الأدب الإسباني"كتاب الرياض،، عدد (54) يونيو، 1999، ص 63