منعم كريم، والسلام عليك أيها الأخ المفترض إسعافه ورحمة الله وبركاته"وبذلك اتضح لنا أن المؤلف يخاطب متلقيًا مضمرًا، موجودًا بالقوة، متوجهًا إليه بالخطاب، عله يفتح أمامه سبلًا مجهولة للإيمان، لعله يستطيع هدايته وإنقاذه من الجهل والكفر [1] ."
لو أردنا تحديد جمالية هذه القصة لوجدناها تكاد تنحصر في الجزء الأول"قصة ولادته ونشأته وفي الجزء الأخير حين التقى بأبسال"ويبدو لنا مشهد اللقاء مشهدا سرديًّا جميلًا بكل المقاييس الفنية، إذ احتفظ بقدرته على التشويق، كما شاعت به حيوية، بفضل تنوع الحركات التي لمسناها لدى كل من"حي"و"أبسال"من ركض واختباء وتلاحم في الأيدي ثم لمسات اليد الحانية، بالإضافة إلى تنوع البيئة، إذ تم اللقاء بين البيئة الحضرية بكل ما تعنيه من إنجازات"في الملابس والطعام والتصرفات ..."والبيئة البدائية بكل ما تعنيه من حياة فطرية أشبه بحياة الحيوانات، هذا على صعيد الجسد، لكن هذا التناقض سرعان ما يختفي على صعيد الروح، إذ يتبين أبسال أن"حيًّا"لا يقل عنه إيمانًا ومعرفة بالله، لهذا يوافق على اصطحابه إلى مدينته العاصية لهداية أهلها.
ثمة عناية في رسم هذا المشهد، ظهرت في طريقة تقديم المؤلف للشخصيتين الرئيستين في القصة، فلجأ إلى رسمهما من الخارج وخاصة شخصية"حي"فبرز لنا في شكله البدائي"شعر رأسه يغطي جسده، ريش النسر الذي يكسوه"كما وصف لنا الأعماق، فاستطاع أن يبرز لنا حالة الرعب التي أحس بها كل واحد منهما حين التقى بالآخر، وخاصة رعب المدني من البدائي، وبذلك اجتمع في هذا المشهد عناصر سردية تجعل هذه القصة ذات سمات فنية ممتعة إلى حد ما [2] .
رغم حياة العزلة التي عاشها"حي"فقد وجدناه عالما في الفلك، حين تأمل الكون ونشأة الأرض، كما وجدناه طبيبا، حين بدأ بتفحص جثة أمه الظبية، ويشرحها باحثا عن مصدر الحياة وسبب الموت، لنتأمل هذا القول، الذي يرصد لنا أعماق الشخصية وأفكارها"وعلم أن أمه التي عطفت عليه وأرضعته، إنما كانت ذلك الشيء المرتحل، وعنه كانت تصدر تلك الأفعال كلها، لا هذا الجسد"
(1) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون , مصطفى بن عبد الله القسطنطي , تح: إبراهيم الزين , دار الكتب العلمية - بيروت 1978 م, ص 42.
(2) قصة"حي بن يقظان", ابن طفيل , تقديم وإخراج: عمر سعيدان , دار الحوار للنشر والتوزيع - اللاذقيةط 2 1988, ص 36.