فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 87

المبحث الثالث

القيم البلاغية للقصص

تمهيد: عرفت البشرية القصص والحكايات منذ فجر التاريخ لحاجة الإنسان للتعبير اللغوي عن أحواله وتجاربه. وكانت الحكايات الخرافية النمط الأول للقصص الذي عرفه الناس وتداولوه بالرواية شفويا. وكان القص والقصاصون المحطة التي يستريح فيها المجتمع الإنساني ويتخفف عندها من أعبائه ومسؤولياته، فيلقي في سياق القصص همومه وأشواقه، وتجارب الآباء، وآمال المستقبل. لذا عرفنا نوعين من القصص خيالي وحقيقي، أما الخيالي فلا يكون لشخصياته وجود حقيقي إنما يرسمها الكاتب ممتطيا صهوة الخيال، وهو سمة القص الفني السائد بأشكاله التعبيرية المتعددة من قصص رومانسي يصور بطولات الفرسان ويقف عند العلاقات الإنسانية المتميزة بالخلق السامي والمثل النبيلة، أو قصص اجتماعي يرصد فيه الكاتب قضايا المجتمع، أو قصص الخيال العلمي الذي يرسم عالما خياليا بحتا بشخصيات وكائنات وأدوات لا تمت إلى الواقع بصلة. وكثير من المخترعات كان قصص خيال علمي ثم وجد طريقه إلى نور الواقع.

لقد جاء القرآن الكريم داعيًا إلى الهداية والرشاد, بأساليبَ شتى؛ فتارةً بالوعد والوعيد, وتارة بالإقناع العقلي, وتارة ثالثة بوخز الضمير والوجدان, ورابعةً بتوجيه الفطرة إلى حقيقتها, وخامسة بالإعجاز بشتى ألوانه, وأحيانا كثيرة: بأسلوب القصص, الذي هو أقرب الوسائل التربوية إلى فطرة الإنسان, وأكثر العوامل النفسية تأثيرًا فيه, وذلك لما في هذا الأسلوب من المحاكاة لحالة الإنسان نفسه, فتراه يعيش بكل كيانه في أحداث القصة, وكأنه أحد أفرادها, بل وكأنه هو"بطل القصة"أو"الشاهد"فيها, فيَرَى من خلالها كلٌ من الصالح والطالح ما في نفسه من أحاسيس, وما في خَلَده من أحاديث, وما يجري حوله من أحداث وحوار .. كل ذلك من خلال تجاوبه مع القصة .. فالقصة ـ لا سيّما إن كانت بأسلوب شيِّق, وبيان رائق ـ لها من التأثير والجاذبية مالا تبلغه أيُّّ وسيلة أخرى من الوسائل الدعوية أو التعليمية أو التربوية, فكيف إذا كانت بأسلوب ربانيٍّ معجز, له من الواقعية والصدق ودقة التصوير, ومِن السِمَاتِ ما ليس لغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت