فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 87

الخصائص البلاغية قصة"حي بن يقظان":

وإذا بحثنا في خصائص هذه القصة؛ فهي لا تملك الخصائص البلاغية للقصة المعروفة اليوم, من مقدمة وعقدة وحلّ, فقد استخدم ابن طفيل السرد طريقًا للتعبير عن أفكاره ـ التي أراد أن يبرهنها في هذه القصة, فهو فيلسوف يهتم بالمضمون الفكري أكثر من اهتمامه بالشكل القصصي.

ولكنه مع ذلك أعطى شكلًا فنيًا لقصته , مع بساطته , يعد من أوائل الذين سهلوا الطريق للقصة العربية , حيث أن عصره لم يعرف القصة؛ إلا في بعض الرسائل التي يمكن اعتبارها بذرة أولية للقصة العربية , ومع ذلك فهو أعطى للقصة بعدًا زمانيًا وآخر مكانيًا , وشيئًا من التحليل النفسي.

أما أسلوب القصة؛ فقد استخدم ابن طفيل أسلوبًا بسيطًا في سرد قصته , اعتمد فيه الألفاظ السهلة المألوفة , مع شيء من الرمز والإيحاء , فبطل قصته يرمز للعقل السليم الذي يتوصل إلى الحقيقة عن طريق المسلمات المعرفية , وقد استخدم في كل هذا جملًا بسيطة , مفهومة , مترابطة , خالية من التعقيد , يضطر أحيانًا إلى إيراد بعض الاستطراد فيترك القصة بين الحين والآخر ليروح عن القارئ, وكونه صوفيًا فقد استخدم كثيرًا من ألفاظهم وتعابيرهم المتعلقة بالمشاهدة والكشف.

كما تظهر ثقافته العلمية واطلاعه على كثير من العلوم من خلال ما بثه في جوانب القصة من أفكار وألفاظ علمية تدل على ما كان يملكه من العلوم, فهو مطلع على علوم أرخميدس؛ حيث قام حيّ بتجربة مماثلة لتجربته في قوة الدافعة المعروفة باسمه (دافعة أرخميدس) , فقد قام بملء زق جلد هواءً وربطه ثم غاص به تحت الماء فلاحظ قوة دفعه إلى الأعلى ... ومن ذلك تعريفه لكل من (التغذي و النمو) [1] تعريفًا علميًا فلسفيًا , فالتغذي: هو أن يخلف المتغذي بدل ما تحلل منه بأن يحيل إلى التشبيه بجوهره مادة قريبة منه يجتذبها إلى نفسه. والنمو: هو الحركة في الأقطار الثلاثة على نسبة محفوظة في الطول والعرض والعمق.

أما الألفاظ العلمية, فقد أورد الكثير منها في قصته, من مثل (الأسطقصات [2] , التسخين , التبريد, الإضاءة, التكثيف, الشفافة, الفلك, علم الهيئة, القطب, خط الاستواء, الطول , العرض , العمق) .

وقد استمد من التاريخ قبسًا , فعندما تحدث عن الطريق الثانية لولادة"حي بن يقظان", وهو أنه كان بإزاء جزيرة الواقواق جزيرة يملكها رجل شديد الأنفة والغيرة , وكانت له أخت ذات جمال وحسن باهر

(1) قصة"حي بن يقظان": ص 59

(2) الأسطقصات هي:"الأرض , والماء , والهواء , والنار", التنبيه والإشراف: ج 1 ص 42

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت