يلاحظ وجود مؤثر إسلامي آخر في قصة"روبنسون كروزو"وهو ألف ليلة وليلة، إذ لابد أن ديفو قد اطلع على ترجمة"غالان"لألف ليلة وليلة التي ظهرت في اثني عشر مجلدًا بين عامي"1714 - 1717"فقد توفي ديفو"1731".
يلاحظ المرء أن معاناة روبنسون تشبه معاناة السندباد البحري، خاصةً في بداية الرحلة البحرية، حيث تحطمت السفينة وبقي حيًّا دون سائر الركاب، فعاش في جزيرة نائيةً وحيدًا [1] .
وبذلك لم يكتفِ دانييل ديفو بالتأثر بقصة"حي بن يقظان"وإنما تعددت مجالات تأثره، ليتجاوز ذلك التأثر إلى الإبداع، الذي ينطلق من خصوصيته التي تنبع من معاناته الذاتية وخصائص أمته.
ازدهرت الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى، في زمن كانت فيه أوروبا تغرق في الظلام، وقد شكلت إسبانية التي دعاها المسلمون ب"الأندلس"مركز إشعاع حضاري في تلك الفترة، إذ يلجأ إليها العلماء وطلاب المعرفة من سائر أوروبا، وكما تقول الدكتورة"لوثي لوبيث بارالت"من الظلم البين ألا نقبل القول: بأن إسبانيا الإسلامية كانت تشكل بالفعل معجزة ثقافية حقيقية في إطار القارة الأوروبية في القرون الوسطى.
وبفضل العرب المسلمين، لم تبلغ أية أمة أوروبية أخرى ما بلغته شبه الجزيرة الأيبيرية من تقدم العلوم والفنون في تلك العصور التي كانت وسيطة أو مظلمة بالنسبة لقارة أوروبا، لكنها لم تكن على الإطلاق بالنسبة إلى الأندلس [2] .
لذلك بإمكاننا أن نقول: إن معظم المبدعين الذين أسسوا لتجاوز عصر الظلام في أوروبا، كانوا على صلة ما بإسبانية، إما عن طريق السفر والعيش فيها مدة من الزمن، أو عن طريق الاطلاع على الكتب التي نشرت فيها مترجمة من العربية إلى اللاتينية، ثم انتشرت في سائر أوروبا، لكن من الملاحظ أن معظم الغربيين ينكرون هذه الحقيقة، فها هي ذي زيغريد هونكة تقول:"تعودنا أن نقيس بمقياسين، سواء في العلم أو في الفن، فنحن الغربيين حين نقيّم الحضارة الغربية ننظر بعين الاعتبار إلى منهجها وليس إلى"
(1) دانيال ديفو"روبنسون كروزومرجع سابق, ص 45"
(2) زيغريد هونكه"شمس العرب تسطع على الغرب"منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 8، 1986، ص 483