فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 87

واقترابًا من الله من ذلك الإنسان الذي يعيش في المدينة، ربما لأنه يزداد رهافةً وإحساسًا بمعجزات الكون وجماله، لشدة معايشته للطبيعة، ورؤيته لتبدلاتها المعجزة.

لا أدري إن كان يحق لنا القول: إن قصة""حي بن يقظان""تجسد لنا علاقة الشرقي بالكون، والتي رأيناها تعتمد على التركيز على الروحانيات وعدم الاهتمام بالماديات، في حين تجسد لنا قصة"روبنسون كروزو"علاقة الغربي المادية بالكون، وإن كنا لا نستطيع أن نقبل هذا الحكم بشكل مطلق.

إن شخصية"حي"هي شخصية فيلسوف يتأمل الكون ليفهم أسراره، يثير أسئلة جوهرية تتعلق بالوجود الإنساني وكيفية تواصله مع الله، لذلك اجتمعت لديه شخصية الفيلسوف إلى جانب المتصوف! وهو يفكر في إصلاح غيره، لذلك برزت لديه شخصية المصلح، في حين وجدنا"روبنسون"إنسانًا عاديًّا أقصى طموحاته تلبية حاجاته المادية.

وقد كان اللقاء بالشخصية الثانوية"جمعة"معززًا للجانب المادي لروبنسون إذ يقوم بمساعدته في أمور حياته المادية، في حين كان لقاء"حي"ب"أبسال"معززًا للجانب الروحي، علمه اللغة، إحدى أهم مفاتيح الأعماق والأفكار، ثم أخذه إلى مدينته العاصية ليسهم في إصلاحها.

لو تأملنا علاقة"حي"ب"أبسال"لوجدناها علاقةً نديةً، إذ يتم تبادل المعرفة بينهما، ويحاولان التعاون في سبيل إصلاح البشر وهدايتهم.

أما علاقة روبنسون ب"جمعة"فقد كانت علاقة السيد بالمسود على نقيض علاقة"حي"ب"أبسال"وبذلك تتجسد لنا علاقة الغربي بالآخر، فهو السيد والآخر عبد له.

نلاحظ أن القصة لدى ابن طفيل ما زالت بدائية، رغم الإنجازات السردية التي لحظناها، إذ لا نجد، غالبًا سردًا متصلًا بحدث معين، أو بشخصية معينة، خاصة إذا تجاوزنا المقدمة والخاتمة، التي أشرت إلى جماليتهما سابقًا، فقد امتلأت القصة بالاستطرادات الفلسفية، فأصبحت أشبه ما تكون بمقال فلسفي، في أغلب الأحيان، في حين بدا السرد القصصي، في"روبنسون كروزو"متقنًا، يكاد يخلو من الترهل والاستطراد، فالحدث مشوق، يتطور عبر حبكة متماسكة، وقد ابتعدت الشخصية عن التجريد، فلم تبدُ مجموعة أفكار، كشخصيات ابن طفيل، بل رأيناها قريبة من الواقع، هنا لا بد أن نذكر مرة أخرى بالفارق الزمني بين القصتين"حوالي خمس مئة سنة [1] ".

(1) دانيال ديفو"روبنسون كروزو"ت. كامل كيلاني، مطبعة المعارف بمصر، ط 3، د. ت, ص 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت