فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 87

إذًا نلمح في هذه القصة بعض المعاناة الروحية والفكرية لابن طفيل، كما نلمح بعض ملامحه الشخصية التي أسقطها على"حي"فجعله فيلسوفًا وطبيبًا، وعالمَ فلكٍ مثله.

أما قصة"روبنسون كروزو"فقد لمحنا فيها معاناة دانييل ديفو من عقوق ابنه، لذلك جعل روبنسون ابنًا عاقًّا لوالديه، وأسقط عليه غضبه، مما جعله يعاني متاعب جمة في سفره، وعاقبه بأن عاش معظم حياته وحيدا يجتر آلامه.

الاختلاف بين""حي بن يقظان" و"روبنسون كروزو":"

يدخل روبنسون الجزيرة النائية شابًّا، قد تكوّن فكره وتأصلت عاداته، أي بدَا لنا إنسانًا مدنيًّا أجبر على الحياة البدائية، أما"حي"فقد بدأ حياته فيها رضيعًا"حسب الرواية الأولى"أو تخلق من تربتها"حسب الرواية الثانية"لذلك كان إنسانًا بدائيًّا لصيقًا بالطبيعة، وقد قويت صلته بها مع الأيام، إذ لم يعرف عالمًا غيرها، فكان عالم الحيوان في الجزيرة دليله للحياة، تعلم منه طرائق العيش البدائية [1] .

إذًا بدأ"حي"حياته في الجزيرة من الصفر، في حين وجدنا روبنسون يستعين بمخلفات السفينة المحطمة، فاستطاع أن يوفر لنفسه عيشة متحضرة بفضل المؤن والأدوات التي عثر عليها مع بقايا السفينة.

نظرًا لعلاقة"حي"الحميمة بالطبيعة نجده إنسانًا تغلب عليه الروحانيات والأفكار، همه الأساسي البحث عن قضايا تؤرق الإنسان"الإيمان بالله، الموت، هداية الآخرين"لذلك لم تؤرقه قضايا الحياة المادية، خاصة في المرحلة الأخيرة من حياته، فقد رأى أن الاستغراق في التواصل مع الذات الإلهية يفسدها الانشغال بالماديات، لذلك كان طعامه بسيطًا، يخصص له وقتًا زهيدًا ليصرف وقته في التأمل والعبادة، في حين وجدنا روبنسون مشغولًا بالعالم المادي، همه الأساسي تأمين الطعام ليس لمعيشته اليومية فقط وإنما يفكر بمعيشته المستقبلية فيحاول تأمين مؤنة الشتاء والعيش في مسكن على نسق عرفه في حياته السابقة، لذلك نستطيع أن نقول إن روبنسون نقل الحياة المدنية بكل ماديتها إلى الجزيرة، وربما لهذا السبب ابتعد عن القضايا الروحية، في حين جسّد"حي"الحياة الروحية بتأثير الطبيعة التي التصق بها، وكما يقول جان جاك روسو إن الإنسان الذي يعيش قريبا من الطبيعة أشد تدينًا

(1) ابن طفيل"حي بن يقظان"إعداد د. سمير سرحان، و د. محمد عناني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة، 1999، ص (7, 8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت