فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 87

صحيح أن ابن طفيل إنسان بدائي، اهتدَى إلى الإيمان عبر معاناة ذاتية لكن لغة الراوي كانت متقدمة على بدائية الشخصية، فبدت تحمل ملامح إسلامية واضحة، خاصة في شيوع التناص القرآني في لغتها السردية، مما يؤسس بنيتها الفكرية وجماليتها اللغوية، لنتأمل هذا المقطع"وتصفح طبقات الناس بعد ذلك، فرأى كل حزب بما لديهم فرحون قد اتخذوا إلههم هواهم ومعبودهم وشهواتهم، وتهالكوا في جمع حطام الدنيا، ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر لا تنجح فيها المواعظة ولا تعمل فيهم الكلمة الحسنة."

نلاحظ في هذا المقطع سطوع لغة القرآن الكريم، حتى إنها تكاد تشكل صلب هذا المقطع، فنلاحظ أن ابن طفيل ينقل ألفاظ الآية القرآنية كما هي، وإن كان قد حذف الجزء الأول منها: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [1] .

هنا اقتصر على إضافة فعل"رأى"للسياق السردي، وقد نجده يحور الآية تحويرًا بسيطًا فتتحول صيغة الغائب المفرد في الآية: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [2] إلى صيغة جماعة الغائبين بعد أن حذف الجزء الأخير من الآية، أما الآية الأخيرة فقد تحولت من صيغة جماعة المخاطبين"سورة التكاثر آية 1، 2"إلى جماعة الغائبين، وبذلك يتم التحوير وفق مقتضيات سردية تتناسب مع سيرورة القصة.

تأثر ابن طفيل بالحدث القرآني:

كما نلاحظ تأثر ابن طفيل بالحدث القرآني، حين حدّثنا عن خوف أم"حي"، في الرواية الواقعية لنشأته، من أخيها الملك فتقذف به في اليم، بعد أن تضعه في تابوت، وهذا ما نجده في"سورة القصص": {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [3] لكن تفاصيل حياة الرضيع ستختلف كليا، لدى ابن طفيل عنها في القرآن الكريم.

(1) سورة المؤمنون الآية (53) .

(2) سورة الفرقان الآية (43) .

(3) سورة القصص الآية (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت