, فعضلها ومنعها من الزواج إذا لم يجد لها كفئًا , وكان له قريب يسمى"يقظان"فتزوجها سرًا وحملت منه ووضعت طفلًا , ولما خافت أن يفتضح أمرها وينكشف سرها وضعته في تابوت أحكمت زمّه (إغلاقه) وخرجت به في أول الليل إلى ساحل البحر وقذفت به في اليمّ فحملته أمواجه إلى ساحل تلك الجزيرة , فابن طفيل يستلهم ذلك مما أوردته بعض كتب التاريخ والأدب عن قصة العباسة أخت هارون الرشيد مع جعفر بن يحيى البرمكي, حيث [1] "إن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي , وكان يحضرهما إذا جلس للشرب , فقال لجعفر: أزوجكها ليحلّ لك النظر إليها ولا تقربها فإني لا أطيق الصبر عنها , فأجابه إلى ذلك فزوجها منه , وكانا يحضران معه , ثم يقوم عنهما , وهما شابان , فجامعها جعفر فحملت منه, فولدت له غلامًا فخافت الرشيد, فسيرته مع حواضن له إلى مكة فأعطته الجواهر والنفقات ..." [2] والصلة واضحة بين ميلاد كل من حيّ وابن العباسة سرًّا ومحاولة كل منهما تهريب ابنها , كما أن ابن طفيل استلهم في وضع أم حيّ له في التابوت وقذفه في اليمّ قصة أم موسى عليه السلام في القرآن الكريم حين خافت عليه من فرعون أن يقتله {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} [3]
ونرى أن هناك ثمة تأثر بالروح الإسلامية والمبادئ التي تحض المؤمن على الإسهام في إصلاح مجتمعه، لذلك وجدناه، حين شكل تصرفات شخصيته"حي"صاغها ابن طفيل بكلمات وفق هذه الروح، إذ وجدناه يدعو أبسال لاصطحابه إلى مدينته العاصية عله يستطيع هدايتها، وهنا نلاحظ ابن طفيل متأثرًا بالحديث الشريف: (( مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [4] .
(1) الكامل في التاريخ: ج 5 ص 348
(2) ينظر في قصة العباسة: تاريخ الطبري (5/ 1729 - 1732) , وفيات الأعيان (1/ 328 - 346) , مرآة الجنان (1/ 404 وما بعدها) , البداية والنهاية (مج 5 ج 10/ 208 - 209) , النجوم الزاهرة (2/ 121) , المقدمة (19) ، إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس (457) , العقد الفريد (5/ 71 - 72) .
(3) سورة طه الآية (39) .
(4) رواه مسلم