فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 228

وكان الطابق الثالث الذي كانت زنزانتي فيه يظل عامرًا ممتلئًا بالسجناء إلى صباح اليوم الذي سيزور فيه الصليب السجن؛ حيث يأتينا العساكر في فجر ذلك اليوم ويأمروننا بجمع كل أغراضنا وملابسنا وربطها على هيئة صرة في شرشف أو بطانية ثم ينقلوننا وحدانًا معصوبة أعيننا إلى زنازن أخرى في أماكن ومبانٍ لا يعرفها الصليب الاحمر ولا يزورها حيث نمكث طوال النهار هناك إلى أن ينتهي مندوب الصليب من زيارة السجن والمرور على السجناء الآخرين ذوي الأوضاع القانونية الرسمية حيث يجدون طابقنا فارغا، وربما وجدوا فيه سجناء آخرين غيرنا يُنقلون مؤقتًا إليه من الطابق الأرضي - كما علمتُ من كتابة كتبها بعضهم على جدار زنزانتي خلال غيبتي - ثم يُعاد كلٌّ إلى زنزانته بعد انتهاء الصليب من زيارته، وفي بعض الاحيان عندما كان الصليب يدقق في السؤال عن بعض السجناء الأردنيين الذين يعرف بوجودهم هنا من خلال أهليهم، وكانوا يُخفونهم عنه معنا لوجود آثار للتعذيب على أرجلهم وأجسادهم؛ كانوا ينقلوننا وإياهم إلى سكن العساكر ومناماتهم خارج السجن ويجلسوننا طوال النهار مقيَّدين إلى الخلف معصوبي الأعين حتى ينتهي الصليب من زيارته فيرجعوننا إلى زنازننا مساء، وقد يفعلون بنا الشيء نفسه في اليوم التالي إن كان الصليب لم يُكمل مهمته في اليوم السابق فنرجع إلى زنازننا في المساء قد تشنجت أيدينا وظهورنا ورقابنا من طول الجلوس بالقيود وغمايات العيون.

مكثت أكثر فترة اعتقالي بالطابق الثالث الأعلى من سجن المخابرات الذي يتكون من ثلاثة طوابق وكل طابق فيه ثلاثة ممرات ملتقية الاطراف على هيئة مثلث وكل ممر يتكوَّن من 10 أو 11 زنزانة تُفتح أبوابها على الممرات وتُطل طاقاتها على ساحة يشمسوننا فيها فرادى أحيانًا لدقائق معدودة .. كان الطابق الأرضي يبدأ بزنزانة رقم 1 وينتهي بزنزانة رقم 31 وبالباب المطل على ساحة التشميس، ويبدأ الطابق الثاني بزنزانة رقم 32 وينتهي بزنزانة 63 وهو الطابق المحاذي لمكاتب التحقيق وإدارة السجن حيث يفضي الممر الأول منه من أمام زنزانة رقم 41 بممر يؤدي إلى تلك المكاتب والإدارة، أما الطابق الثالث حيث أمضيت الجزء الأكبر من اعتقالي فقد كان يبدأ بزنزانة رقم 64 وينتهي بالزنزانة رقم 95 وكان يحرس كل ممر من هذه الممرات الذي يتكون من 10 أو 11 زنزانة حارس بلباس الجيش الأردني، ويسمون الممر (تحقيق) ويعطونه رقما خاصا به.

بمجرد وصولي إلى سجن المخابرات الأردنية صودر المبلغ الذي كان بحوزتي (عدة آلاف من الدولارات) وقيل لي: هذه أموال تنظيمية مصادرة!! وأخذت ملابسي، وأعطيت بدلا منها بدلة السجن الزرقاء ومنذ اليوم الأول بدأوا التحقيق معي باستعمال أساليب الترهيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت