فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 288

ومن النصرة المطلوبة من العبد حتى يحوز الظفر، أن يتجرد من حوله وقوته، ويرمي بهما بين يدي ربه، ويسلم ناصيته لخالقه، ويبرأ إلى الله من عدته وعتاده، ويتيقن أن النصر إنما هو من عند الله، وأن القوة كل القوة بيده سبحانه وتعالى، وإنما هي أسباب يتخذها المجاهد امتثالًا لأمر الله، وتحقيقًا للسنن الكونية التي أودعها الله هذا الكون، فلا مقام للفخر ولا مكان للعجب في تلك النفوس التي وعد الله بنصرها، والنتيجة خلاف ذلك هو ما أصاب الفئة المؤمنة في حنين عندما قالت: لن نغلب اليوم من قلة، فكانت النتيجة المبدئية للغزوة المباركة، تخلف النصر ولو لحين، وذلك حتى تنقطع آمال القوم إلا من حبل الله المتين، الذي ما إن تمسك به المؤمن فلن يذل أو يُغلب، ولقد أنزل الله عز وجل قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة لتكون تلك الحادثة عبرة وعظة لكل من حمل همَّ هذا الدين قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} .

قال القرطبي رحمه الله: قال بعضهم: لن نغلب اليوم عن قلة، فوكلوا إلى هذه الكلمة، فكان ما ذكرناه من الهزيمة في الابتداء إلى أن تراجعوا، فكان النصر والظفر للمسلمين ببركة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فبين الله عز وجل في هذه الآية أن الغلبة إنما تكون بنصر الله لا بالكثرة وقد قال:"وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده". [1]

ومن النصرة المطلوبة من العبد حتى ينعم بالنصرة الإلهية، أن يعد العدة، ويأخذ الأهبة، وأن يستعد بما قد منحه الله من أسباب ترجى لاستيفاء النصر، وأن يتجهز بما قدر عليه من عدة وعتاد، وأن يتوكل على الله بعد استفراغ الجهد في الإعداد والاستعداد، ولا يتواكل فهذا مَظِنة الهزيمة ولا شك إلا أن يشاء الله.

(1) - تفسير القرطبي ج 8 ص 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت