فهرس الكتاب
بين جنباتهم، وتحبيبهم في ما هداهم الله إليه في زمن عزَّ فيه من يقتفي سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قولًا وعملًا، والله ولي التوفيق.
هذا ويجب على النافر في سبيل الله، أن يفرق بين مداهنة أعداء الله والرضى بكفرهم وإقرارهم على ما هم فيه من الكفر والضلال، وبين مداراتهم إن احتاج إلى ذلك، رغبةً في اتقاء شرهم، ودفعًا لأذاهم، ولا شك أنه قد يُحتاج إلى مثل هذه المداراة في أحوال عدة وخاصة في أثناء السفر والحركة والتنقل فليتفطن لذلك، قال الألوسي رحمه الله: وعدَّ قوم من باب التقية مداراةَ الكفار والفسقة والظلمة وإلانةَ الكلام لهم، والتبسمَ في وجوههم، والانبساطَ معهم وإعطاءَهم لكف أذاهم، وقطع ألسنتهم، وصيانة العرض منهم، ولا يعد ذلك من باب الموالاة المنهي عنها، بل هي سنة وأمر مشروع. [1]
وقال الشيخ أبو محمد المقدسي فك الله أسره في"الرسالة الثلاثينية"، وذلك في سياق حديثه عن من كَفَّر المسلمين بمجرد مداراتهم لأعداء الله: فلقد رأيت منهم أقوامًا شنّعوا وبدّعوا بل وكفروا مخالفيهم في أشياء ليست هي في دين الله من الكفر، بل بعضها مشروع من جنس المداراة الممدوحة لم تستوعبه عقولهم الضعيفة ... فكفروا من جالس الكفار أو زاورهم ودخل عليهم أو بشّ في وجوههم أو عاملهم بشيء من اللين والطلاقة. ومن باب أولى عندهم من صافحهم أو مازحهم وضاحكهم وداهنهم، والحق أنه لا يحل التسوية بين هذا كله، ولا يجوز التكفير به وحده.
فمنه ما هو مشروع كالمجالسة والمزاورة والدخول على الكفار لأجل دعوتهم واللين في خطابهم وجدالهم بالتي هي أحسن، ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد قدمنا لك من صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد غلامًا يهوديًا مريضًا
(1) - روح المعاني 3 ص 122.