فهرس الكتاب
بالعذاب، ويفتن به وهي أعظم المحنتين هذا إن سلم من امتحانه بعذاب الدنيا ومصائبها وعقوبتها التي أوقعها الله بمن لم يتبع رسله وعصاهم، فلابد من المحنة في هذه الدار، وفي البرزخ، وفي القيامة لكل أحد، ولكن المؤمن أخف محنة وأسهل بلية، فإن الله يدفع عنه بالإيمان، ويحمل عنه به، ويرزقه من الصبر والثبات والرضى والتسليم ما يهون به عليه محنته. [1]
فصل: لقد شاء الله عز وجل واقتضت حكمته، أن يبتلي عباده تارة بالسراء وأخرى بالضراء، لتتميز الصفوف، وتظهر حقائق النفوس، فتحت محك الاختبار ووطأة الابتلاء والامتحان، تفصح الأعمال عن لسان الحال، وتتكلم المواقف وتظهر الحقائق، وتتبين طبيعة معادن الرجال، فيظهر المنتفع، ويَبين المنافق، ويُعلم مدعي الإيمان، ويتميز الخبيث من الطيب كما قال تعالى: {مَا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} . قال الأستاذ المعلم سيد قطب رحمه الله في ظلاله القيم: ولقد شاءت حكمة الله وبره بالمؤمنين أن يميزهم من المنافقين، الذين اندسوا في الصفوف تحت تأثير ملابسات شتى ليست من حب الإسلام في شيء. فابتلاهم الله هذا الابتلاء - في أحد بسبب من تصرفاتهم وتصوراتهم ليميز الخبيث من الطيب عن هذا الطريق: ما كان الله ليذر المؤمنين الآية .. ويقطع النص القرآني بأنه ليس من شأن الله - سبحانه - وليس من مقتضى ألوهيته وليس من فعل سنته أن يدع الصف المسلم مختلطًا غير مميز، يتوارى المنافقون فيه وراء دعوى الإيمان ومظهر الإسلام بينما قلوبهم خاوية من بشاشة الإيمان ومن روح الإسلام. [2]
(1) - إغاثة اللهفان لابن القيم ج 2 ص 192.
(2) - تفسير الظلال ج 1 ص 525.