فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 288

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لكن بما اقتضته حكمته ومضت به سنته من الابتلاء والامتحان، الذي يخلص الله به أهل الصدق والإيمان من أهل النفاق والبهتان، إذ قد دل كتابه على أنه لابد من الفتنة لكل من الداعي إلى الإيمان، والعقوبة لذوي السيئات والطغيان، قال الله تعالى: ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين. أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون [1] .

فصل: واعلم أن الابتلاء عادة ما يكون على قدر الإيمان، فكلما زاد المؤمن في إيمانه عظم ابتلاؤه، وزيد له في المحنة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب (وفي رواية: قدر) دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة.

قال الحافظ: الأمثل أفعل من المثالة والجمع أماثل وهم الفضلاء، وقال ابن الملك: أي الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة يعني: من هو أقرب إلى الله بلاؤه أشد ليكون ثوابه أكثر. [2]

ولا شك أن المجاهدين هم أكثر الناس ابتلاءً، حيث أنهم يتربعون على قمة سنام هذا الدين، وطاعتهم الخاصة التي يتقربون بها إلى الله من أشق العبادات على النفس البشرية، وهذا ولا ريب - ولا نزكي أحدًا على الله - مجلبةٌ للابتلاء، ومظنةٌ للتكاليف، فحري بكل نافر إلى الله يبغي نصرة دينه أن يتفطن لذلك، ويُعَود نفسه

(1) - مجموع الفتاوى ج 3 ص 212.

(2) - انظر تحفة الأحوذي ج 7 ص 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت