فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 288

فما قد يقال في موطن معين، قد لا يقال في موطن آخر، وما يصرح به في مقام ما، قد لا يصرح به في مقام آخر، وربما يكتفي الداعية بالتلميح والإشارة دون التصريح المباشر، حسب ما تقتضيه طبيعة الحال، وأفهام الرجال، فقد روى البخاري في صحيحه عن أنس أنه قال ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، قال: ألا أُبشر الناس، قال: لا إني أخاف أن يتكلوا.

قال ابن بطال في شرح البخاري، قال المهلب رحمه الله: فيه أنه يجب أن يُخَصَّ بالعلم قوم لما فيهم من الضبط وصحة الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لقصير فهمه، كما فعل صلى الله عليه وسلم. [1]

ومما يجب أن يعلم في هذا الباب، أن مخاطبة الناس يجب أن تكون بلغة سهلة سلسة، يسهل على المخَاطَب فهمها واستيعابها، بعيدًا عن التحديث بالشواذ من الكلام، والمستغربات من القول، ويجب أن يراعى في مخاطبة الناس الفروقات المذهبية في الفروع، فذلك أجلب للقبول، وأدعى للامتثال، وأسرع للموافقة والأخذ.

ومما ينبغي أيضًا في معلم الناس الخير، أن يتفطن لحال السائل، فإن رأى منه عدم القدرة على الاستيعاب، وربما حمل الكلام على غير وجهه، أعرض عن إجابته كما قال ابن القيم رحمه الله: إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عما سأل عنه، وخاف المسؤول أن يكون فتنة له أمسك عن جوابه. [2] ونحوه قال النووي رحمه الله في المجموع. والغزالي في إحياء علوم الدين.

(1) - انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال ج 1 ص 207.

(2) - إعلام الموقعين ج 4 ص 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت