فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 288

حتى أوهنت العقول، وطيشت الألباب واضطربوا اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة القعر، فهذا ينكر موته، وهذا قد أقعد، وهذا قد دهش فلا يعرف من يمر عليه ومن يسلم عليه، وهؤلاء يضجون بالبكاء وقد وقعوا في نسخة القيامة وكأنها قيامة صغرى مأخوذة من القيامة الكبرى، وأكثر البوادي قد ارتدوا عن الدين، وذلت كماته، فقام الصديق رضي الله عنه بقلب ثابت وفؤاد شجاع، فلم يجزع ولم ينكل قد جمع له بين الصبر واليقين، فأخبرهم بموت النبي صلى الله عليه و سلم، وأن الله اختار له ما عنده وقال لهم: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين. فكأن الناس لم يسمعوا هذه الآية حتى تلاها الصديق، فلا تجد أحدًا إلا وهو يتلوها، ثم خطبهم فثبتهم وشجعهم، قال أنس خطبنا أبو بكر رضي الله عنه وكنا كالثعالب فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود. [1]

نعم بمثل هؤلاء الرجال تثبت القلوب، وترتفع الهمم، وتدب الحياة في الأوصال، وتصنع الأمجاد، ويدرك كل موحد أن لهذا الدين ربًا يحميه، وأن هذه الأمة أمة خير ولود، وأن لهذا الدين رجالًا لا يعلمهم إلا الله قد صنعهم على عينه سبحانه وتعالى، فلا يدُبَّن اليأس في قلب أحدكم إن فقد قائد، أو ذهب مجاهد، أو اختارت يد المنون داعيةً موحدًا، وما أجمل قول الشاعر: إذا سيدٌ منَّا خلاَ قامَ سيدٌ ... قؤولٌ لما قالَ الكرامُ فَعُولُ

ولتكن الدماء التي بذلها هذا الداعية أو ذاك القائد نارًا تؤجج دواخلك فتحرق بها أعداء الله، ووقودًا دافعًا لنصرة هذا الدين، ونورًا تهتدي به لتدرك ما وصل إليه من

(1) - منهاج السنة النبوية ج 8 ص 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت