فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 288

ودرء فساده وبطشه، والمؤمن كيس فطن، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين فتنبه لذلك يرعاك الله.

فصل: واعلم يرحمك الله أن تعاطي الأسباب وأخذ الحذر لا يتنافى بتاتًا مع الشجاعة والإقدام بل هي مكملة لها، ولقد كان الرسول الكريم أشجع الخلق ولا ريب، ومع ذلك فقد كان أكثر الناس أخذًا وتعاطيًا للأسباب كما ظهر لك فيما سبق من سيرته، وكان صحابته من بعده أشجع الناس، ولم يعهد عنهم أنهم تركوا الأخذ بالأسباب، وقد بوب البخاري في صحيحه فقال: باب الكذب في الحرب، وساق قصة قتل كعب بن الأشرف اليهودي، قال صاحب الفتح رحمه الله معلقًا: وفي الحديث جواز الكلام الذي يحتاج إليه في الحرب ولو لم يقصد قائله حقيقته. [1]

ومن ذلك أيضًا أن الأخذ بالأسباب المشروعة لا يتنافى مع التوكل على الله، وحسن الالتجاء إليه سبحانه وتعالى وقصده، فقد روى ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن أمية الضمرى قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أرسل ناقتي وأتوكل، قال: اعقلها وتوكل.

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: اعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله سبحانه وتعالى المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم. وقال تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل. وقال: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله.

(1) - انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 7 ص 340.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت