فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 288

فصل: ولقد كان السلف رضوان الله عليهم أحرص الناس على بيت مال المسلمين، وأزهدهم فيه، وأعفهم عنه، فهذا الصديق رضي الله عنه يوم أن حضرته الوفاة يقول لعائشة رضي الله عنها كما ذكر ابن شبة النميري: يا بنية إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير، إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر، فجاءه الرسول وعنده عبد الرحمن بن عوف فبكى عمر حتى سالت دموعه على الأرض وقال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، ارفعهن يا غلام، فقال عبد الرحمن: سبحان الله يا أمير المؤمنين تسلب عيال أبي بكر عبدًا حبشيًا، وبعيرًا ناضحًا، وجرد قطيفة ثمنها خمسة دراهم، فقال ما تأمر.؟ قال: آمر بردهن على عياله، قال: خرج أبو بكر عنهن عند الموت وأردهن أنا إلى عياله، لا يكون ذلك والله أبدًا الموت أسرع من ذلك. [1]

ولقد كان الفاروق عمر من أشد الناس ورعًا في أموال المسلمين فقد روى صاحب الطبقات الكبرى عن الأحنف: قال: كنا جلوسًا بباب عمر فمرت جارية فقالوا سُرية أمير المؤمنين، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسرية وما تحل له، إنها من مال الله، فقلنا: فماذا يحل له من مال الله.؟ فما هو إلا قدر أن بلغت وجاء الرسول فدعانا فأتيناه فقال: ماذا قلتم.؟ قلنا: لم نقل بأسًا، مرت جارية فقلنا هذه سرية أمير المؤمنين، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسرية وما تحل له، لأنها من مال الله، فقلنا: فماذا يحل له من مال الله.؟ فقال: أنا أخبركم بما أستحل منه، يحل لي حلتان، حلة في الشتاء

(1) - انظر تاريخ المدينة بتحقيق فهيم محمد شلتوت ج 2 ص 670.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت