هكذا كانت قراءة الصحابة للقرآن، في كل أسبوع يختمونه مرة، هذه مرتبتهم؛ وهناك ناس يرتبون غير ذلك، ربما يقرؤونه في عشرة أيام، يقرأ كل واحد كل يوم ثلاثة أجزاء بتقسيمات المتأخرين، لأن هذا التقسيم -وهو تقسيم الأجزاء والأحزاب- إنما فعله الحجاج ولم يكن الصحابة يعرفونه، وهو تقسيم عليه كثير من الملاحظات، ولكن جرى عليه الناس والعرف، ولا ترقم المصاحف اليوم إلا به، إلا ما يطبع في بلاد الهند وباكستان فلهم ترقيمات أخرى في تقسيم القرآن وتحزيبه؛ وبعضهم يقرأ القرآن مرتين في شهر؛ وبعضهم يقرأه مرة؛ ونهى العلماء -كما ذكر ذلك كثير من أهل العلم كإسحاق بن راهويه والإمام أحمد- كانوا يكرهون أن يقرأ المرء القرآن في أكثر من أربعين، ويعلل ذلك الإمام أحمد رحمه الله بأنه إذا ترك المرء القرآن أربعين يومًا نسيه، ونسيان آية عند كثير من العلماء كبيرة من الكبائر، ذكر هذا من صَنَّف في الكبائر؛ وأفضل من جمع فيها ما كتبه ابن حجر الهيتمي في"الزواجر عن اقتراف الكبائر"، وذكر هذه الكبيرة، وهي مذكورة في كتب الفقه.
إذًا: أعظم الأعمال في هذا الشهر هو أن تقرأ القرآن، وأعظم حال في قراءة القرآن هو أن تقرأه في الصلاة، وذلك بقيام الليل؛ ولذاك جاء في الحديث: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» .
وأفضل -هذا قول جماعة من أهل العلم منهم الإمام الشافعي- أفضل وقت للقيام هو بعد النوم، وذلك لمن استطاع عليه؛ يعني: لو يرجع المرء بعد العشاء فلم يصل جماعة وإنما صلى لوحده بعد أن ينام، وهو التهجد {وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} . التهجد هو أعظم عبادات قيام الليل، لأن قيام الليل متفاوت، والصحابة والعلماء والسلف كانوا يتفاوتون في القيام؛ أعظمهم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم خير القيام قيام داود: «كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» هذا خير قيام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وخير الصيام صيام داود: «كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» [1] ولا يأكل إلا من عمل يده.
ثم هناك قيام آخر، وهو أن يقوم المرء الثلث الأخير من الليل، وذلك بأن لا ينام بعده لئلا يفوته السحر؛ وهناك من العلماء -وهي أدنى درجات القيام- من يقوم ويصلي بين المغرب والعشاء ولا يفوته السحر، هذه أدنى درجات قيام السلف للّيل، أن يصلوا بين المغرب
(1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يومًا، ويُفطرُ يومًا» .