أنا أضرب لكم مثالًا في القرآن يشرح هذا المعنى الذي أتكلم عنه:
الله عز وجل يقول: {آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ} . هب أنك تريد أن تعرف لماذا لم يذكر هنا ما ذكر في سورة"المعارج"؟ هب أنك لا تعرف هذا .. يعني الله عز وجل قال: {آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) } ، إذًا هي حديث عن درجة الإحسان، ودرجة الإحسان تقدم أول وصف لها {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) } ، هذا ليس من الحديث عن القيام بالفرائض، هذا حديث زائد عن القيام بالفرائض، لأنه حديث عن المحسنين؛ فما هو شأنهم؟؟ هل هم الذين يقومون بالصلاة التي فرضت عليهم فقط؟ هل هم الذين يقومون بالزكاة التي فرضت عليهم فقط؟ أم أن مقامهم هؤلاء فيما سماهم القرآن وسموا به أنهم يقومون بأعمال فوق الفرائض؟.
{كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ} هل تستطيع أن تقول"معلوم"؟؟ لأنه لو ذكرت كلمة"معلوم"لدل هذا على الفريضة الواجبة، والمقام ليس حديثًا عن الذين يقومون بالواجبات فقط، وإنما هو حديث عن الذين يزيدون، كما ذكر في أمر الصلاة {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ .. } يصلون النوافل؛ وأعظم النوافل وأبرك النوافل وأكرم النوافل هو قيام الليل.
وهذا أنت لفهمك لو مرت بك واضطرب عليك حفظك -هب أنه اضطرب عليك حفظك لسبب ما- فتعلم أن كلمة"معلوم"هنا ليست موجودة، لأن الحديث هنا عن الإنفاق غير المعلوم؛ المعلوم هو الزكاة الواجبة، وغير المعلوم هو الذي فيه الإنفاق الزائد {وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} ، ولذلك قال القرآن: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) } ، ولم يذكر كلمة"معلوم"بخلاف الآية الأخرى {حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) } ، لأنها حديث هناك عن الناس الذين يقومون بالواجبات لتخرجهم من الضلال، ولتخرجهم من الفساد، ولتخرجهم من الناس المحرومين.
فإذًا: أنت لما عللت حفظت.
فإذًا أيها الأخ الحبيب: أفضل ما نتدارسه في هذا الشهر الكريم، هو أن نتدارس السور التي يمكن لطالب العلم أن يدخل فيها ابتداءً، ليتدرب بعد ذلك على السور الطويلة.