فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 137

يعني: المرء للبحث عن المقصد الكلي ... العلماء تكلموا عن المقصد الكلي في سورة البقرة، وأجل ما قيل فيها {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} ؛ هذا أول أمر في سورة البقرة، هو حديث عن عبادة الله عز وجل ومواقف الناس منها وما فيها من أحكام. سورة البقرة تتحدث عن عبادة الله، وأول أمر فيها وأول أمر قرآني {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) } ..

لكن هذا يحتاج إلى تمرين، وأعظم ما يتمرن به المرء هو السور القصار؛ وتعلمون أن جزء عم حاوٍ لمقاصد القرآن الكلية، وجزء عم في أغلبه قرآن مكي، قال بعضهم: جزء عم كله مكي، إلا سورة البينة والنصر. وهناك خلاف في سور أخرى، مثلًا الخلاف في المعوذتين موجود، وكذلك هناك خلاف في سور أخرى نُعرض عنه لأن الأمر أوسع مما نتحدث فيه.

إذًا الحديث عن هذا الجزء: هذا الجزء هو جزء قرآني عظيم يحوي مقاصد القرآن؛ ما هي مقاصد القرآن؟؟ بالاستقراء، مقاصد القرآن هي:

أولًا: الحديث عن الله"الألوهية"، الحديث عن أفعاله، الحديث عن قدرته، الحديث عن علمه، الحديث عن وجوب طاعته وتوحيده وتأليهه؛ هذا هو المقصد الأولي للقرآن الكريم. ما أنزل القرآن إلا من أجل أن نعبد الله، ما أنزل القرآن إلا من أجل أن نعلم من هو الله، ما أنزل القرآن إلا من أجل أن يتحدث الله سبحانه وتعالى عن نفسه؛ القرآن هذا مقصده، وأي تجاوز لهذه القضية يجعل القرآن على معنى ما يقوله بعض المجرمين عندما"أنسنوا"النبوة!! بمعنى: جعلوها عملًا إنسانيًا يتعلق بما هو من شأن الحياة الدنيوية وما هو من رغبة الناس وصلاح أحوالهم .. والقرآن نزل من أجل إصلاح أحوال الناس، ولكن أعظم الإصلاح هو أن يوحدوا الله سبحانه وتعالى؛ وكل إصلاح يؤخذ من القرآن من غير النظر إلى إصلاح علاقة العبد مع الله وتعبد العبد لربه، هذا كفرع مقطوع من الأصل، جاف الروح، جاف الماء، جاف العطاء، لا يمكن أن يستقر به المقام على هذا الفرع الذي أتاه؛ بل سيأتي عنده يوم -كما نرى- يتخلى فيه عن هذا الفرع، لأنه لا يسنده إلى عبوديته لله عز وجل ..

والأمر قيمته بالنظر إلى مصدره لا إلى ذاته فقط؛ الناس حين يسألون: كيف يُلزم الناس بالأخلاق؟ كيف يُلزم الناس بالقيم؟ الأمر الذي يُلزم الناس بالقيم والأخلاق والأعمال هو النظر إلى مصدرها، من الذي أمر؟ من الذي شرع؟ من الذي قال؟. فحين يعلم العبد مقامه في الوجود وأنه عبد لله وأن الذي أمر هو الله، هذا الفرع يزداد قوة ويزيد كذلك الأصل قوة، يعود كل واحد على الآخر بالفائدة والعطاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت