هذه"المسبحات"، هل هناك ثمة رابط بينها؟؟ يعني: السورة الأولى هي {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ، السورة الثانية في"المسبحات"هي سورة الحديد، والتي بعدها هي سورة الحشر، وبعدها تأتي سورة الصف، وبعدها تأتي سورة الجمعة، ثم التغابن، ثم الأعلى؛ هذه تسمى بالمسبحات. افتتحت بالمصدر"سبحان"وختمت بالأمر"سبح"، وبينهما وقع فعل الماضي {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} ، والمضارع {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} كما في الجمعة والتغابن؛ وأما الفعل الماضي، ففي الحشر والصف، وكذلك في الحديد.
هل هناك ثمة رابط بين هذه السور؟ ليس فقط مناسبة السورة لما يليها، ولكن الرابط بين السور التي يجمعها اسم واحد ومعنىً في الافتتاح واحد؟ الذي أعتقده من خلال النظر إلى هذه السور -وذكرت هذا عند تفسيري لسورة الإسراء- أن هناك ثمة رابط بين هذه السور، هناك رابط مهم بين هذه السور.
أنت تتعجب مثلًا .. لا يمكن حل بعض التعجب والتساؤل إلا بالنظر إلى موضع السورة من هذا الإطار العام الجامع للاسم الواحد بينها؛ مثلًا في سورة الصف: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) } !! تشعر أن هناك ثمة سؤال وقضية مطروحة؛ هذا التساؤل {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) } ، يمكن للمرء أن يضعها في إطار لا يختص بحادثة، وإنما هو سؤال عام لمن يقول ولا يفعل، لمن يدعي ولا يتلبس بالحقيقة، يمكن هذا؛ ولكن هذا لا يشفي الغليل، الذي يشفي الغليل أن هناك ثمة حقيقة موجودة تتعلق بسياق ما مسبوق ذكره من قبل عند الكلام حول هذه النقطة. {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ .. } أين حدث هذا؟ إذًا هناك ثمة قضية تتحدث عنها السورة ويقوم هذا التساؤل حولها؛ في ظني، لا يمكن معرفتها إلا من خلال سياق هذه السورة في"المسبحات"، أنها حديث عن قضية مهمة جدًا.
طيب .."الحديد"هل لها ارتباط بـ {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِي} ؟؟ نعم، الكلام عن مشروع الحديد الذي أنزله الله عز وجل فجعله للنصر والتأييد {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} ؛ فالكلام عن الحديد ضمن قضية سورة الإسراء وصراع أهل الإيمان مع اليهود. هذا ارتباط جذري وقوي ومهم جدًا؛ ونرى أن الجامع بين"المسبحات"هو الحديث عن أهل الكتاب، إلا في سورة لا نرى أهل الكتاب، في سورة التغابن لم أر ذكر أهل الكتاب فيها، مع أن فيها ذكر المعارضين للدين الذين رفضوا الآخرة