الحسنة مقررة في الابتداء أنها تعود إلى عشر أمثالها، كما في سورة الأنعام {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} ، هذا هو أصلها، بعد ذلك ترتقي الحسنة بحسب أعمالها، بحسب مقامها، بحسب فضلها، بحسب إخلاص المرء فيها ..
ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ} الحسنة بسبعمائة ضعف؛ والله يضاعف، أي: هناك أكثر.
ولذلك جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بناقة مخطومة -كما في صحيح مسلم- فقال له صلى الله عليه وسلم: «إن لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة» ، فجعلها مضاعفة.
فالأعمال تضاعف فوق العشر أضعاف إلى أضعاف كثيرة، بحسب أهمية العمل، مقامه؛ مثلًا: من أنفق قبل الفتح ليس كمن أنفق بعد الفتح، من أنفق عن جوع ومسغبة وضعف وفقر ليس كمن ينفق عن سعة وغنى؛ فالأعمال تُضاعف .. ولذلك هناك في الحديث القدسي قال: «والصوم لي» ، أي: إن جزاءه لا يعلمه إلا الله عز وجل .. هذا معنى.
المعنى الثاني، وهو معنى قاله سفيان بن عيينة -وسفيان بن عيينة هذا قال عنه الشافعي رحمه الله: لولا سفيان ومالك لذهب علم أهل الحجاز- فسر هذا الحديث «والصوم لي» أن الصوم لا يذهب بسبب المعصية ..
أنتم تعلمون أن الله سبحانه وتعالى قال: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّآتِ} ، وكذلك جاء في القرآن وفي السنة ما يدل على أن الحسنات تذهب السيئات، ومن ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) } فجعل المعصية برفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم سببًا لحبوط العمل؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» فدل على أن الأعمال تحبط حبوطًا ليس تامًا ولا عامًا بسبب المعاصي؛ والذي يحبط الأعمال كلها قوله سبحانه وتعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} ، الذي يحبط الأعمال كلها هو الشرك والكفر {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) } .
فقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «والصوم لي» ، قال سفيان: دل هذا على أن الحبوط لا يلحق الصيام «فإنه لي» . هذا شأن العبد مع الأعمال فإنها تحبط بالمعاصي