فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 137

يتعامل المرء مع القرآن أنه كلام الله وأن الله هو الذي تكلم به، أنه كلام الله الذي يصنع تغيرًا في نفس سامعه لمجرد الاستماع -ونحن نرى أن التأثر ينشأ حتى من الذين لا يفهمون معانيه، ومن العوام الذين إذا قرأوه يبكون؛ العوام يتعلقون به لماذا؟ لأنه كلام الله، فيه سر أنه كلام الله عز وجل .. فهذا معوق نشأ في التاريخ وما زال يسري عند بعض الناس.

كذلك من الأمور التي نشأت في هذا الباب، وهو عزل القرآن عن القضايا العلمية الكبرى؛ يعني: عندما تذهب إلى كتب العقائد تجد أن الدليل البرهاني يتعلق بالعقل، ما تعلق بوجود الله لا يجيبون عنه بما يقوله القرآن، ما يتعلق بصفات الله لا يقولون ما يقوله القرآن، يقولون: هذه مسائل عقلية؛ فأخرجوا القرآن من حيز الدلالات، حتى أن بعضهم لا يرى أن القرآن الكريم كافيًا للإجابة عن الأسئلة التي تتعلق بالله عز وجل! فيضعون شروطًا -كما نرى عند بعضهم- كثيرة من أجل قبول النص اللغوي في دلالته على المراد، كما فعل الرازي .. وهذه في التاريخ لها أثرها ولها جريمتها، وما زال البعض يعيشها.

كذلك عزل القرآن عن القضايا بحيث أنه يجيب عن القضايا الكلية؛ هذه أشرت إليها وهي مهمة جدًا، هل القرآن يجيب عن أسئلة الحياة إجابة تفصيلية تامة؟ الجواب: نعم؛ هذا الوهم الذي صنعه البعض بأن القرآن يجيب الأجوبة العامة ويضع القضايا الكلية العامة دون التفاصيل في حياة المرء، هذا عزل القرآن عن الحياة.

هذه معوقات صارت في أذهاننا، هل نذهب فقط من أجل التدبر، من أجل أن يحصل لنا العظة القرآنية والبكاء والخشية {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} ، أم نذهب إليه من أجل أن يجيبنا على الأسئلة التفصيلية الدقيقة في كل شيء؟؟؟

من هذه الأمور وجود ما يسمى"تفسير آيات الأحكام"؛ مع أنه علم صحيح ونشأ في ظروف معينة، ولكن -للأسف- أوهم البعض أن هذه الآيات التي أخرجت من القرآن كآيات تتعلق بالمسائل الفقهية، يعني أن بقية الآيات لا تجيب على الأسئلة الفقهية!! وهذا خطأ كبير؛ فآيات القصص هي آيات أحكام، وآيات العظة هي آيات أحكام، والقرآن كله أحكام. ولكن حين ينظر المرء إلى الأحكام على المعنى الظاهر -على المعنى العملي- دون أن ينظر إلى المعنى القلبي، دون أن ينظر إلى المعنى التربوي، دون أن ينظر إلى المعنى الأخلاقي، دون أن ينظر إلى المعنى القدري وكيفية سلوك القدر في البشر وكيفية حدوث الأقدار في البشر؛ هذا من العلم العظيم. فالقرآن كتاب أحكام من أوله إلى آخره، وما من كلمة فيه إلا وفيها دلالات تدل على الحكم؛ يعني عندما يتحدث ابن القيم عليه رحمة الله عن آداب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت