بذل الإمام مسلم وسعه في انتخاب الصحيح وتجريده، واجتهد فيه غاية الاجتهاد.
ولما نظر إمام هذه الصناعة أبا زرعة الرازي رحمه الله في كتاب مسلم، انتقده على تصنيفه الصحيح وتجريده إياه،، وجعل ينظر إلى الكتاب ويقول: ويروي عن أحمد بن عيسى؟ وأشار إلى لسانه، كأنه يقول: الكذب، ثم قال: يحدث عن أمثال هؤلاء، ويترك ابن عجلان ونظراءه، ويطرق لأهل البدع علينا فيقولوا: ليس حديثهم من الصحيح.
قال سعيد البرذعي الحافظ صاحب أبي زرعة: فلما ذهبت إلى نيسابور ذكرت لمسلم إنكار أبي زرعة، فقال:"إنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما رواه ثقات وقع لي بنزول، ووقع لي عن هؤلاء بارتفاع، فاقتصرت عليهم وأصل الحديث معروف".
وكذلك وقع لمسلم مع الحافظ محمد بن مسلم بن وارة الرازي حيث قدم مسلم الري فاجتمع به فعاتبه على (الصحيح) وجفاه، وقال له نحوا من قول أبي زرعة: إن هذا يطرق لأهل البدع علينا، فاعتذر مسلم وقال:"إنما قلت صحاح، ولم أقل ما لم أخرجه ضعيف، وإنما أخرجت هذا من الصحيح ليكون مجموعا لمن يكتبه"فقبل عذره.
فهذه القصة تضمنت انتقاد مسلم من جهتين:
الأولى: ما يوهمه اسم كتابه من حصر الصحيح من الحديث مما يفتح لأهل البدعة باب نفي صحة الحديث إن لم يرد فيه.
الثانية: تخريجه أحاديث جماعة من الضعفاء الذين لا يحتج بما ينفردون به.
أما انتقاده من الجهة الأولى فعليه رتب الدارقطني إلزاماته لمسلم، حيث ألزمه تخريج أحاديث صحيحة خرج بأسانيدها في كتابه أحاديث أخرى.
وهذا الإلزام ليس بلازم، وليس فيه ما يتمسك به أهل البدع، فقد نفى مسلم نفسه أنه أراد بذلك الحصر للصحيح في جوابه لابن وارة، وكذلك وقع في داخل الصحيح في كتاب الصلاة- آخر باب التشهد في الصلاة- أنه سئل