فهرس الكتاب
34 -وهاتان الحادثتان -أعني حادثة ابن عمر، وحادثة ركانة [1] من الشاذ النادر، الذي غضب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنكره، وأرجعه إلى مقتضى الكتاب، من بطلان الطلاق في الحيض، ومن اعتبار الطلقات الثلاثة في مجلس واحد طلقة واحدة، ولم يحفظ -فيما علمنا من الأخبار- أن أحدًا في عهده صلى الله عليه وسلم طلق في الحيض إلا عبد الله ابن عمر، أو طلق ثلاث تطليقات جميعًا إلا الذي حكينا، وإلا عُوَيمرًا العجلاني الذي لاعَنَ امرأته، ثم قال:"كَذَبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم"رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وفي رواية أنه قال: فهي الطلاق، فهي الطلاق، فهي الطلاق". ولم يرد في الروايات أنه أنكر عليه ذلك. قال الشوكاني (ج 7 ص 12 - 13) :"إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سكت عن ذلك لأن الملاعنة تبين بنفس اللعان، فالطلاق الواقع من الزوج بعد ذلك لا محل له، فكأنه طلق أجنبية، ولا يجب إنكار مثل ذلك"."
35 -ولعله يكون قد وقعت حوادث قليلة في مثل هذا، ولكنها لم تنقل إلينا مفصلة، لأن إيقاع ثلاث تطليقات كان يرد إلى طلقة واحدة، إذ هي فرقة واحدة كنص القرآن (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ) . وكان الأمر على ذلك أيضًا في عهد أبي بكر وسنتين -أو ثلاثًا- من خلافة عمر، كما قال ابن عباس."كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر-:"طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم"وهذا حديث صحيح، رواه الإمام أحمد في المسند (رقم 2877 ج 1 ص 314) ورواه مسلم في صحيحه (ج 1 ص 433 - 434) والحاكم في المستدرك (ج 2 ص 196) ."
36 -وهذا الحديث أصل جليل من أصول التشريع في الطلاق: والبحث فيه من مزالق الأقدام، فإنه يصادم كثيرًا مما يذهب إليه جمهور العلماء وعامة الدّهماء في الطلاق. وقديمًا كان موضع نزاع وخلاف واضطراب، ولشيخ الإسلام ابن تيمية ثم تلميذه الإمام ابن القيم الباعُ
(1) إن ثبت أن ما حكاه محمود بن لبيد هو عن حادثة ركانة. وإذا كان عن حادثة أخرى لشخص آخر كانت الحوادث ثلاثا.