فهرس الكتاب
83 -وما هذا التعجل؟ وإلى متى يعجل المطلق؟! هو يريد أن يفارق زوجه ويدعها وشأنها، فليفعل، وله حقوق عليها إذ ذاك، ولها عليه مثل ذلك، ولكنه يعلم أنه بالطلقة الأولى يملك عليها الرجعة، وكذلك الثانية، وهو يخشى أن ترضى نفسه عنها بعد ذلك فليراجع، فيظن إن طلقها جميع المرات الثلاث بطل حقه في الارتجاع، وليس له بعد الثلاث شيء، فيعجل إلى تحريم ما أحل الله له من ذلك، ليبطل حق نفسه فيما يبدو له.
84 -هذا من ظنه ومن زعمه، ولكن من أنبأه أنه يملك إبطال ما أذن الله فيه، أو أنه مستطيع تحريم ما أحل الله؟ العقد واحد، وقد فسخه بالطلقة الأولى، فماذا تقطع الطلقة الثانية؟! ثم الثالثة الباتة؟ لا شيء. فلم يبق إذن إلا أنه يريد أن يجعل هذه الطلقة الأولى بمثابة الثالثة. فهو يريد تغيير حكم الطلقة الأولى إلى حكم الطلقة الثالثة برغبته وهواه! وهيهات هيهات، إن الأحكام لا تتغير بالرغبات والأهواء.
85 -ولماذا كان للمطلق أن يغير حكم الطلقة التي يملك فيها الرجعة -بحكم القرآن ونصه-: فيجعلها تحرم عليه الرجعة، بإنشاء طلاق آخر لم يفسخ عقدًا ولم يقطع رباطًا: ولم يكن له أن يغير حكم الطلقة البائنة إلى طلقة رجعية، بأن يقول لغير المدخول بها أو للتي طلق ثم راجع مرتين: أنت طالق طلقة رجعية، أو نحو ذلك؟! وكلاهما سواء.
86 -قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (ص 162 - 163) بعد بيان أنواع الطلاق:"وهذا كتاب الله عز وجل قد تضمن هذه الأنواع الأربعة وأحكامها، وجعل سبحانه وتعالى أحكامها من لوازمها التي لا تنفك عنها. فلا يجوز أن تتغير أحكامها البتة، فكما لا يجوز في الطلاق قبل الدخول أن يثبت فيه الرجعة ويجب به العدة، ولا في الطلقة المسبوقة بطلقتين أن يثبت فيها الرجعة، وأن تباح بغير زوج وإصابة، ولا في طلاق الفدية أن يثبت فيه الرجعة-: فكذلك لا يجوز في النوع الآخر من الطلاق أن يتغير فيقع على وجه لا يثبت فيه الرجعة، فإنه مخالف لحكم الله تعالى الذي حكم به فيه، وهذا صفة لازمة له، فلا يكون على خلافها البتة. ومن تأمل القرآن وجده لا يحتمل غير ذلك. فما شرع الله سبحانه الطلاق إلا وشرع فيه الرجعة، إلا الطلاق قبل الدخول وطلاق الخلع والطلقة الثالثة. فبيننا وبينكم كتاب الله، فإن كان فيه شيء غير هذا فأوجدونا إياه".