فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 112

89 -فلما رأى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد عقابهم من جنس عملهم، وتعزيرهم على ما تعدوا حدود الله، فاستشار أولى الرأي وأولى الأمر وقال:"إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم؟"فلما وافقوه على ما اعتزم أمضاه عليهم وقال:"أيها الناس، قد كانت لكم في الطلاق أناة، وإنه من تعجل أناةَ الله في الطلاق، ألزمناه إياه" [1] .

90 -ولم يكن هذا الإلزام من عمر تغييرًا للحكم الظاهر من القرآن، والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الطلاق لا يلحَق، وأن الطلقة الأولى ليس للمطلق بعدها إلا الرجعة أو الفراق، وكذلك الثانية بعد رجعة أو زواج. وإنما كان إلزامًا بحكم السياسة الشرعية في النظر إلى المصالح، مما جعل الله للحكام بعد استشارة أولي الأمر، وهم العلماء وزعماء الناس وعرفاؤهم، فقد أراد عمر والصحابة أن يمنعوا الناس من الاسترسال في الطلاق، ومن التعجل إلى بت الفراق، فألزموا المطلق ثلاث مرات في عدة واحدة ما ظنه -أو ما رغب فيه- من أنها بانت منه بمرّة، فمنعوه من رجعتها بإرادته، ومن تزويجها بعقد آخر حتى تنكح زوجًا غيره، ولذلك قال عمر:"إنه من تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إياه". فجعله إلزامًا من الإمام ومن أولي الأمر. ولم يجعله حكمًا بوقوع الطلاق الذي لم يقع، لأن الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة صريحًا لا يملك أحد تغييرها أو الخيار بينها وبين غيرها، سواء أكان فردًا أم كان أمة مجتمعة. وعمر رضي الله عنه والصحابة أعلم بالله وأتقى له من أن يقدموا برأيهم على الشريعة لتغيير شيء من أحكامها.

91 -وكانت هذه العقوبة من عمر زاجرة للناس عن العبث بالطلاق، وكانت عقوبة لوقتها. ثم اضطرب الأمر، واسترسل الناس في العبث، وأكثر الصحابة حاضرون، يرون أمر عمر الذي أقروه عليه، ويرهبون خلافه، تحرزًا من الخروج على رأي الأكثرين، وبعضهم يفهم أن هذا الأمر تعزير وزجر: فيفتي تارة بإمضاء الثلاث التطليقات، وتارة بعدم إمضائها، وباعتبار الطلقتين الأخريين في العدة باطلتين لا تقعان، كما ثبت عن ابن عباس الإفتاء بهذا وبذاك، وكذلك عن غيره منهم. ولعل اختلاف فتياهم إنما كان

(1) مضى الحديثان عن عمر في رقمي (55 و 59) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت