فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 112

عن اختلاف الحوادث، واستحقاق بعض المطلقين في نظر المفتي أن يعزّر، واستحقاق بعضهم أن يعْذر، إذ لم تُحكَ لنا حكايات الحوادث مفصلة، حتى نعرف الظروف والملابسات التي كانت في كل واقعة، فنتبين وجه الرأي فيها.

92 -ثم جاء عصر التابعين فاختلفوا أيضًا، واختلفت عن كثير منهم الروايات في الفتيا. وكانت العجمة قد دخلت على الألسنة، وسمع الناس الكلام في الطلاق الثلاث والخلاف فيه. وسمعوا الروايات على الوجه العربي: وجه الإخبار عن تطليقات ثلاث بلفظ: (طلق فلان ثلاثًا) (من طلق امرأته ثلاثا) ونحو ذلك، إذ هو صدق في الإخبار -فظنه من لم يحسن العربية ومن لم يتأمل في الفرق بين الإنشاء وبين الخبر: أنه قول القائل (أنت طالق ثلاثًا) بهذا اللفظ ونحوه، بقصد الإنشاء.

93 -ورُعِبَ الناس من الطلاق الثلاث، وركبهم كابوسه، وقد وقع في روعهم أنه هو هذا اللفظ المفرد الباطل، حتى نسى أكثرهم موضوع الخلاف الأصلي، وهو لحوق الطلاقِ الطلاقَ.

94 -وآية ذلك: أن الفقهاء الذين رأوا حديث ابن عباس عن أمر عمر لما لم يجدوا له مدفعًا من جهة الإسناد والصحة: حاولوا التفصّي منه بأجوبة شتى ضعيفة، لخصها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وذكر منها جوابًا بطريقة تدل على أنه لم يره مقنعًا، فقال (ج 9 ص 318) :"الجواب الخامس: دعوى أنه ورد في صورة خاصة. فقال ابن سُريج وغيره: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وكانوا أولا على سلامة صدورهم يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر، وكثر فيهم الخداع ونحوه، مما يمنع قبول دعوى من ادعى التأكيد: حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم وهذا الجواب ارتضاه القرطبي، وقواه بقول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت فيه أناة. وكذا قال النووي: إن هذا أصح الأجوبة". ثم سكت الحافظ عنه. فلم يذكر رأيه فيه. ومن البين الواضح أنه تأويل لا يعتد به، ويهدمه هدمًا حديث ابن عباس في قصة ركانة الذي فيه"في مجلس واحد؟"وقد ذكره الحافظ قبل ذلك بورقة واحدة (ص 316) وقال:"وهذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات الآتي ذكرها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت