فهرس الكتاب
95 -ثم وضعوا أمر عمر -بإلزام المتعجلين- في غير موضعه، وفهموه على غير وجهه، فظنوا أن للطلاق شبهًا بالأيمان والنذور، وأن من التزم الطلاق على صفة من الصفات أو بأي وجه من الوجوه لزمه ما التزم واسترسل العامة في اللعب بالطلاق، وعاملهم أكثر الفقهاء بما عملوا، فأوقعوا الطلاق المُعَلق، والطلاق على شرط، واليمين بالطلاق، والطلاق بالحساب!!
96 -وقوى أمرهم في ذلك أهواء الملوك والأمراء، وخاصة في أمر البيعة وخشية الخيانة، فلم يجدوا اليمين بالله كافيًا في المنع من الحنث، وأرادوا الاستيثاق من الوفاء، فصاروا يأخذون العهود على الرعية بأيمان -هي في زعمهم- مغلظة، كالنذر بالحج سيرًا على الأقدام، وطلاق كل امرأة في العصمة، وعتق كل ما يملك من الرقيق: إذا حنث الحالف فيما أقسم عليه، ونحو ذلك. وزادوا غلوًا، فصاروا يُحلّفون الرعية أيضًا بطلاق كل امرأة يتزوجها الحالف مستقبلا، وبعتق كل رقيق يملكه كذلك، حتى لا يجد المسكين له مندوحة من الوفاء، إذ يخشى أن لا تصل يده بعد إلى امرأة يتزوج، أو إلى رقيق يملك. وعن هذا جاءت أيمان البيعة المعروفة في التاريخ.
97 -قال الإمام ابن رشد في بداية المجتهد (ج 2 ص 51) في الخلاف في الطلاق الثلاث:"وسبب الخلاف: هل الحكم الذي جعله الشرع من البينونة للطلقة الثالثة يقع بإلزام المكلف نفسه هذا الحكم في طلقة واحدة؟ أم ليس يقع ولا يلزم من ذلك إلا ما ألزم الشرع؟ فمن شبه الطلاق بالأفعال التي يشترط في صحة وقوعها كون الشروط الشرعية فيها، كالنكاح والبيوع قال لا يلزم. ومن شبهه بالأيمان والنذور، التي ما التزم العبد منها لزمه على أي صفة كان: ألزم الطلاق كيفما ألزمه المطلق نفسه. وكأن الجمهور غلّبوا حكم التغليظ في الطلاق، سدًّا للذريعة ولكن تبطل بذلك الرخصة الشرعية والرفق المقصود في ذلك. أعني قوله تعالى: (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) ."
98 -وقال أيضًا (ج 2 ص 52) :"الشرع إنما سلك في ذلك سبيل الوسط. وذلك: أنه لو كانت الرجعة دائمة بين الزوجين لَعَنِتَت المرأة وشقيت، ولو كانت البينونة واقعة في الطلقة الواحدة لَعَنِتَ الزوج من قبل"