فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 112

الندم، وكان ذلك عسرًا عليه. فجمع الله بهذه الشريعة بين المصلحتين. ولذلك ما نرى والله أعلم: أن من ألزم الطلاق الثلاث في واحدة فقد رفع الحكمة الموجودة في هذه السنة المشروعة، قال الزجاج:"وإذا طلقها ثلاثًا في وقت واحد فلا معنى له، لقوله: (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) "نقله الطبرسي في التفسير (2: 430) [1] .

99 -والصالحون من العلماء والفقهاء غلب عليهم الحرص على الاحتياط في الأبضاع [2] ، لخطر أمرها من جهة الحل والحرمة، وحرصًا على صحة الأنساب، فغلوا في الفتوى بوقوع الطلاق في كل حال، وبكل لفظ، وبكل شبهة، حتى أفتى بعضهم بوقوعه بالنية المجردة عن اللفظ!! [3] ففاتهم قصدهم، وكان الاحتياط في غير ما صنعوا.

100 -وذلك أنه إذا طلق رجل امرأته على غير الوجه المأذون فيه، كأن طلقها وهي حائض -مثلا- فإنه إذا أفتاه من يقول ببطلان هذا الطلاق وكان مفتيه مخطئًا في نفس الأمر، كان هناك محظور واحد محرم، وهو معاشرة الرجل امرأة حرمت عليه. وإذا أفتاه من يقول بوقوع هذا الطلاق، وكان مخطئًا في نفس الأمر، كانت المحظورات أربعة، أولا: تحريم المرأة الحلال لزوجها، ثانيًا: إباحة تزوجها لآخر وهي في عصمة الأول، ثالثًا: إذا تزوجت آخر عاشرته حراما لبطلان زواجها، رابعًا: معاشرة رجل لامرأته وهي في عصمة رجل آخر.

وارتكاب أخف الضررين هو الاحتياط بداهة، وهو الفتوى بعدم الوقوع.

101 -وهذا بحث نظري صرف. والحقيقة أن الاحتياط الصحيح إنما هو في الوقوف عند حدود الله، وفي الفتيا بما قام عليه الدليل من الكتاب والسنة. وشأن الطلاق في هذا كشأن غيره من الأحكام.

(1) من قوله: (قال الزجاج إلى هنا زيادة من الطبعة الثانية) الناشر.

(2) في الاحتياط في الطلاق بحث نفيس للأسنوي في التمهيد ص 67.

(3) انظر المقدمات لابن رشد الفقيه المالكي (ج 2 ص 56) وهو جد ابن رشد الفيلسوف الإمام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت