فهرس الكتاب
102 -ولو شئنا أن نضرب الأمثال من كتب الفقهاء، مما أفتوا فيه بوقوع الطلاق في غير وجهه: لأكثرنا، ولطال بنا القول جدًا، ولخرجنا من بحث علمي دقيق إلى حكاية أقوال، هي أقوال فقط.
103 -وكان عن هذا أن انقلب الدواء داء، إذ استعمله الناس في غير موضعه، ولغير وقته المناسب له، وتعدوا في الطلاق كل الحدود، حتى صارت مشكلة الطلاق من أكبر المشاكل الاجتماعية في العصر والعصور السابقة، وعجز النطاسيون [1] عن علاجها، فاستعصى الداء. وما من سبيل إلى العلاج إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، والعود إلى أصل التشريع فيه، والوقوف عند حدود الله.
104 -وإن مما خشى الناس من البحث في شؤون الطلاق أن وقر في نفوسهم استعظام الإقدام على الكلام فيه، مما وهموا أنه أمر شبيه بأمور العبادات، كالنذور والأيمان، ومما اعتقدوا من وجوب الاحتياط والتشدد في الحل والحرمة في الأبضاع، كما بينا آنفًا، ومما أرجف المرجفون بدعوى إجماع الأمة من عهد الصحابة على وقوع الطلاق البدعي بأنواعه.
105 -وليس شيء من هذا بصحيح: فلا الطلاق يشبه النذور والأيمان، ولا الاحتياط فيما ذهبوا إليه. ولا صح الإجماع الذي زعموا، ولا استقر رأي العلماء على قول مقبول في معنى الإجماع -في نفسه- وكيف يُحتَجُّ به، ومتى؟.
106 -والخلاف في وقوع الطلاق البدعي والطلاق ثلاث مرات جميعًا ثابت من عهد الصحابة فمن بعدهم في كل عصر، وكان الأئمة من أهل البيت رضي الله عنهم يفتون بعدم الوقوع، ولا يزال هذا مذهب علماء الشيعة كلهم إلى الآن، وهو أيضًا مذهب الظاهرية، إلا أن ابن حزم خالفهم في جواز الطلاق الثلاث بلفظ واحد وبألفاظ متعددة إن نوى بها الإنشاء [2] ،
(1) النطاسي: هو العالم بالأمور الحاذق بالطب وغيره، وهو بالرومية النّسطاس.
(2) وقد أخطأ في ذلك خطأ مدهشًا! وما كان الظن به أن يلتفت نظره عن الوجه الصحيح، حتى يتهافت في الاستدلال، ويندفع في الخطأ، بما تراه في المحلى (ج 10 ص 167 - 173) .